السودان

النزوح كورقة ضغط: كيف غيّرت الكارثة الإنسانية في السودان حسابات المجتمع الدولي؟

تقرير: راينو

في الوقت الذي تتسابق فيه المبادرات لوضع حد للحـ.ـرب السودانية، وآخرها ما يعرف بالتشاورية، كان الواقع الميداني يشي بشيء آخر؛ حيث تتصاعد العمليات العسكرية بين الطرفين، الـدعم الـسريع والجيش، في أكثر من محور دون ميل أكيد لميزان الانتصارات. فما الذي دفع بالملف السوداني لمقدمة أولويات الأطراف الدولية في هذا التوقيت، وعلى رأسها الولايات المتحدة؟

الملف الإنساني:

التحليلات ترى أن ما دفع الأطراف الدولية لتزيد من وتيرة اهتمامها بالملف السوداني هو الملف الإنساني وضخامة الأرقام. ويذهب الناشط في مجال حقوق الإنسان علي إبراهيم الخليل في حديثه لـ”راينو” إلى أنه لم تعد مأساة النزوح في السودان مجرد نتيجة عرضية، بل أصبحت بعد إكمال 1000 يوم مع مطلع عام 2026 العامل الأبرز إستراتيجياً بما يعيد صياغة نظرة المجتمع الدولي كلياً. وقال: منذ بداية الحـ.ـرب في أبريل 2023، دخل السودان نفقاً إنسانياً معتماً، أفرز أضخم أزمة نزوح قسري يشهدها العالم منذ بدء الخليقة، فتحولت الأرقام الصادمة إلى عامل ضغط سياسي في أروقة الأمم المتحدة ودهاليز العواصم الكبرى.

وأبان الخليل أن أحدث الإحصائيات والبيانات متاحة على مواقع المنظمات، وتكشف منظمة الهجرة الدولية ومكتب أوتشا أن السودان كسر بالفعل كافة الأرقام القياسية التاريخية بوجود نحو 12.5 مليون فار من جحيم القـ.ـتال، ما يضعه وحيداً في صدارة أزمات النزوح العالمي، متجاوزاً مآسي أوكرانيا وسوريا بمراحل ضوئية. فالسودان عملياً فيه 9.5 مليون نازح داخلياً، يتكدسون في أكثر من 7,000 موقع عبر ولايات السودان الـ 18، منهم نحو 30% في مراكز إيواء تفتقر للحد الأدنى مما يحترم الكرامة، و3 ملايين لاجئ في دول الجوار سواء تشاد، مصر، جنوب السودان، إثيوبيا، فضلاً عن دول تتجاوز الجوار كرواندا ويوغندا وكينيا والسعودية والإمارات. ويعتبر علي أن ذلك خلق ضغوطاً ديموغرافية واقتصادية على بعض تلك الدول مثل تشاد التي استقبلت وحدها ما يفوق 800 ألف لاجئ، مما مثل ضغطاً سكانياً غير مسبوق.

نهاية دولة 56:

التحليلات السياسية تذهب في اتجاه آخر وترى أن التداعيات الإنسانية الماثلة في السودان، سواء تهجير بالنزوح أو اللجوء واستهداف المدنيين بالمـ.ـوت، يمثل تصفية ممنهجة للدولة الموجودة منذ 1956م.

واعتبر الناشط السياسي إيهاب محمد الحسن في حديثه لـ”راينو” هذا الأمر يهدد أصحاب الامتيازات التاريخية والمرتبطين بهم من مجتمعات ودول، وقال: نهاية دولة 56 تعني فقدان السيطرة التاريخية لأطراف بعينها على موارد وثروات السودانيين، لذا تحركت تلك الأطراف لإنقاذ سيطرة أتباعها في الداخل فتعددت المبادرات وتوسعت؛ فالدافع ليس إنسانياً بالمرة ولا يدخل ضمن الأولويات لو مـ.ـات معظم السودانيين، لكن لأن الأمر يهدد سيطرة أطراف بعينها. من جهة أخرى، تعدد تلك المبادرات لا يجب أن يؤخذ بحسن نية، فهناك تنافس إقليمي أيضاً؛ فثمة مبادرات تبرز لتعطيل الأخريات وهو ظاهر وجلي في المشهد السوداني.

وبغض النظر عن الرؤية التي تفسر الأمر بالدوافع السياسية، لا يبدو أن الأزمة الإنسانية في السودان يمكن تجاوزها لمجرد رغبات الفاعلين الدوليين، خصوصاً في ظل تقارير أممية تتكرر وتؤكد أن ما يقارب 19 مليون طفل خارج أسوار المدارس التي تحول بعضها إلى ثكنات أو دور إيواء، فضلاً عن خروج ما يقدر بـ 80% من المرافق الصحية عن الخدمة، لينقص الدواء المنقذ للحياة بنسبة 70%، في وقت يؤكد فيه تصنيف الأمن الغذائي أن 25.6 مليون سوداني يعانون جوعاً حاداً، مع بروز جيوب مؤكدة للمجاعة في دارفور والخرطوم وكردفان.

مخاوف وليست شفقة:

بيد أن الخليل يرى أن الرؤية السياسية صحيح لا يمكن إغفالها، إلا أن السياق يؤكد أن القوى الدولية بدأت تنظر إلى هذا النزوح كعامل عدم استقرار إقليمي، وقال: لم تعد تحذيرات برنامج الغذاء العالمي تقارير إغاثية بل بلاغات أمنية، خصوصاً في ظل تزايد التوجه نحو أوروبا عبر مسارات الهجرة غير النظامية. وأضاف: يجب الانتباه إلى أن المنظمات الدولية تحذر من الانهيار الشامل للضغط على المانحين فقط، ومع ذلك فالمفارقة قائمة في فجوة التمويل التي لم تغط سوى 45% من احتياجات عام 2025، ما يعكس تآكلاً مخيفاً في الاهتمام السياسي لصالح أزمات أخرى أكثر صخباً.

من جانبه، يرى الناشط الحقوقي والإنساني رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور، الصادق علي حسن، في حديثه لـ”راينو” أن النازحين واللاجئين يمثلون أكبر عنصر ضغط دولي في أروقة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقال: بخلاف الجانب الإنساني المؤثر في شعوب دول الغرب الذي ينعكس إلى ضغوط مباشرة في مواجهة حكومات بلدانهم، هنالك ملف مكافحة الهجرة غير الشرعية ويمثل للغرب أولوية هامة، وقد أصبحت الدولة السودانية من كبريات منافذ الهجرة غير الشرعية للغرب، وقد صارت دول الغرب تنظر إلى الأزمة السودانية بأنها من مسببات تدفقات الهجرة إلى دول الغرب؛ كل ذلك له أثره المباشر في الاهتمام لمعالجة الأزمة السودانية.

عموماً، بين فرضية الدوافع السياسية أم الإنسانية هي ما تقف وراء تحركات المجتمع الدولي، تظل الحقيقة التي لا ينكرها أحد بحسب الكثيرين أن استمرار المأساة الإنسانية في السودان وتواصل عمليات النزوح واللجوء يضع الأطراف الدولية أمام محك أخلاقي وسياسي؛ فإما الاستمرار في دور إسعافي الذي يعمل بالندرة وبتمويل شحيح، أو الانتقال لمربع الطبيب الجراح الذي يمارس ضغطاً حقيقياً لوقف الحـ.ـرب ومعالجة جذورها السياسية. وفي ظل انسداد أفق التسوية، تظل ورقة النزوح هي الأثقل في ميزان الضغط، والصرخة التي تعيد السودان قسراً إلى طاولة الاهتمام، ليس من باب الرفاهية السياسية بل من بوابة الفاجعة التي تجاوزت قدرة الأرقام على التوصيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار