السودان

السيطرة على هجليج: هل حاصر الدعم السريع البرهان في خانة التفاوض؟

تقرير: راينو

في خطوة لها ما بعدها سياسياً وعسكرياً، وفي تطور وُصف بالمفصلي في المشهد الميداني السوداني، أعلنت قوات الدعم السريع، أمس، سيطرتها الكاملة على منطقة هجليج النفطية وكامل إقليم غرب كردفان، وهو ما اعتبرته نقطة محورية، نظراً لأهمية المنطقة كمورد رئيسي لتمويل الحرب لصالح الجيش وحلفائه، في إشارة واضحة إلى أن المعركة لم تعد فقط حول الأرض أو المدن، بل حول السيطرة على شرايين الاقتصاد السوداني الذي لم يخدم المواطنين بقدر ما تم توظيفه لقتلهم في معارك وحروب فرضت على السودانيين فرضاً.

موازين القوى:

وبحسب المحلل السياسي إيهاب محمد الحسن في حديثه لـ”راينو” فإن سيطرة الدعم السريع على هجليج وكامل غرب كردفان يتجاوز النظرة المحدودة في مناطق نفطية بل أبعاد استراتيجية تمنح الدعم السريع تفوقاً واضحاً، وقال: هذه السيطرة في المقال الأول تعني توجيه ضربة لاقتصاد حكومة بورتسودان، إذ أن هجليج يعد أهم حقل نفطي في السودان ومساهم مهم في الإيرادات. وتابع: بسيطرة الدعم السريع عليها فإن الجيش خسر مورد رئيسي من موارده في تمويل حرب الانفصال التي يخوضها بأمر فول النظام المُباد، وهو ما يحدّ من قدرته على شراء أسلحة أو الحفاظ على الإمدادات.

المحلل السياسي عمر سفيان سالم لم يبتعد كثيرا في رؤيته للموقف عن الحسن، ويذهب في حديثه لـ”راينو” إلى أن السيطرة على غرب كردفان ككل ناهيك عن هجليج، تمنح الدعم السريع منفذاً استراتيجياً يربط مناطق عدة، ويتيح له حرية أكبر في التنقل والإمداد، ما يصعّب على الجيش عزله أو قطع خطوطه. وأضاف: دعونا نستدعي شهادة أحد الخبراء العسكريين، الذي قال بأن سقوط هجليج يمهد للسيطرة على النيل الأبيض.

واتفق المحللان على أن انتشار الدعم السريع في غرب كردفان يعني ببساطة امتلاكه لكرت تفاوضي أقوى يتمثل في المناطق النفطية والمورد الرئيسي لاقتصاد جيش البرهان.

المسار السياسي:

تحليلات اخرى تذهب في اتجاه اعمق في قراءة ابعاد سيطرة الدعم السريع، ويرى البعض انه على ضوء هذه التطورات، فإن الدعم السريع أصبح يمتلك ورقة تفاوضية غير مسبوقة، ربما تحول الصراع من حرب دامية إلى صراع على طاولة تفاوض، خاصة إذا ما رغب المجتمع الدولي في تهدئة الأوضاع، كما أن النفط والذهب يجعلان الدعم السريع قوة لا يستهان بها في مقابل إعلانات الانسحابات المتكررة التي ترددها دوائر الجيش والمرتبطين به.

فيما يتوقع سفيان تحرك الجيش سريعا للبحث عن مصادر تمويل بديلة، خوفا من دفعه للقبول بحل سياسي يجعله خارج معادلة الحكم في السودان إلى الأبد، واضاف: هناك دول إقليمية قد تتحرك لإنقاذ حليفها الجيش الذي ظل رهينا لإرادتها وحاميا لمصالحها، فخسارة السودان لحقل نفط رئيسي وتأثير ذلك على جنوب السودان، قد يثير تدخلات سياسية أو دبلوماسية عاجلة.

من جانبه يرى المحلل جمال الجاك في مدونة له، إن إعلان شركة CNPC إنهاء عقودها النفطية في السودان يعد تحولاً استراتيجياً عميقاً، وأن الإنهاء لا يرتبط فقط بالحرب، بل بانهيار بيئة التشغيل بكاملها بعد توقف الإنتاج، ونهب المنشآت، وتعطّل خطوط الأنابيب منذ أكتوبر 2023. معتبرا أن القرار يُسقط عملياً مقولة “الصين لا تترك السودان”، فبكين لم تغيّر سياستها، بل تغيّر السودان نفسه حين أصبح النفط عبئاً أمنياً ومالياً لا يمكن تحمّله. وهو ما أعتبره مراقبون بداية سيطرة الدعم السريع نظريا على المسرح العملياتي، وهزيمة مسبقة للبرهان وجيشه.

وكانت الشركة قد اصدرت بياناً الأحد، أعلنت فيه قرار الحكومة الصينية إنهاء تعاقداتها النفطية مع حكومة بورتسودان على خلفية توقف الإنتاج في مربع (6) النفطي الواقع في منطقة بليلة بولاية غرب كردفان منذ العام 2023. وبرر البيان القرار بالتدهور المستمر للأمن فى الحقل بعد أن طاولته أعمال التخريب والسرقة وانهيار سلاسل التوريد. ودعت “CNPC”، الحكومة السودانية إلى اجتماع عاجل في عاصمة جنوب السودان جوبا، خلال ديسمبر الجاري، لمناقشة الإنهاء المبكر لعملها فى قطاع النفط السوداني.

سيناريوهات متوقعة:

وفي السياق أعتبر عمر سفيان أن المشهد يحتمل ثلاثة سيناريوهات لا بديل عنهم، أولهم اعتراف إقليمي يعتمد كليا على الدعم السريع وقدرته التي وعد بها في بيانه على ضمان أمن المنشآت النفطية وطمأنة دولة جنوب السودان بشأن استمرار تدفق الخام عبر الأراضي السودانية، مما يمنحه قنوات تواصل سياسية غير مباشرة مع جوبا وحلفائها ومع أطراف دولية تعتمد على نفط الجنوب. وأضاف: وهو ما سيؤدي إلى اعتراف إقليمي غير معلن بنفوذ الدعم السريع، فضلا عن إجبار الجيش على القبول بالتفاوض ولكن من موقف ضعف.

ولم يستبعد سفيان حدوث سيناريو ثاني عبر هجوم واسع يشنه الجيش ولكن بدعم خارجي وهو ما اعتاده منذ بداية الحرب- حسب تعبيره- يستهدف مواقع الدعم السريع في غرب كردفان أو جنوب دارفور. فضلا عن طرق الإمداد القادمة من ليبيا وتشاد. كاشفا عن وعود تلقاها البرهان منذ فترة ليست بالقصيرة من قبل الدوحة لدعمه ولكن بعد منحها مهلة ثلاثة اشهر.

وتابع: لكن هذا الخيار مكلف لأن الدعم السريع استطاع تأمين خطوط إمداده على مسافة ومساحة شاسعة خلف ظهره، مما يجعل تحقيق أي نصر سريع صعب المنال.

بينما يذهب الحسن إلى أن ثمة سيناريو ثالث، يتمثل في أن مصالح الجنوب والشركات الكبرى والمعتمدين على نفط الجنوب من شأنه تحريك الجهود الدولية لإنقاذ الجيش عبر ضغط دولي نحو مسار تفاوضي، وربما يتم إعلان هدنة محدودة حول المنشآت النفطية.

وتذهب التحليلات إلى أن هذا السيناريو قد يصبح الأكثر احتمالاً إذا استمر خطر تعطل صادرات النفط، لأن عدداً من الدول لن تسمح بانهيار خط إمداد يؤثر مباشرة على استقرار جنوب السودان وبالتالي على الاستقرار الإقليمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار