السودان

منعم سليمان يكتب: نحن العلم .. أنت العفن!

بقلم: منعم سليمان

نموت كي يحيا الوطن.. يحيا لمن؟
نحن الوطن!
إن لم يكن بنا كريماً آمناً،
ولم يكن حراً،
فلا عشنا.. ولا عاش الوطن.

وكأنّي بالشاعر العراقي الكبير أحمد مطر ينهض من بين سطوره ليردّ على عبد الفتاح البرهان، الذي لم يجد ما يستر عجز سلطته المتطاولة، فخرج علينا بالأمس يهتف ويهرف كعادته معلناً رغبته في تغيير شكل علم البلاد، وإعادته إلى شكله القديم لحظة الاستقلال!

خطوة عبثية أخرى لا تحمل أي معنى سوى القفز فوق الجراح المفتوحة. فالسودانيون الذين هُجّروا من وطنهم وبيوتهم لم يطلبوا راية جديدة، بل طريقاً آمناً للعودة، وهذا العابث اللاهي، بدلًا من أن يعيدهم إلى وطنهم، يريد إعادتهم إلى ألوان ثلاثة لا تُغني من وطن ولا تُسمن من جوع!

وهنا يطلّ السؤال: هل يملك البرهان أصلًا شرعية تُخوّله تعديل علم البلاد؟ أين البرلمان؟ أين المجلس التشريعي؟ أين المؤسسات الدستورية؟ أين شرعيته هو نفسه بعد انقلابه على النظام الدستوري؟ بل أين الناس؟؟

أعوذ بالله من هذا الوسواس الخنّاس الذي يريد أن يحكم فوق جراح الناس!

والأغرب أنّ هذا الأهطل يتصرّف وكأن الحرب قد وضعت أوزارها، وكأن الخرطوم استعادت تنفّسها، وكأن ملايين النازحين ليسوا معلّقين بين العراء والمخيّمات ومراكز اللجوء. يتحدّث بثقة عن شكل العلم، فيما الدولة نفسها معلّقة في الهواء!

فبينما البلاد غارقة في أسوأ كارثة إنسانية في تاريخها، ينشغل الرجل بموضوع لا يغيّر شيئاً في حياة أحد، ولا يوقف حرباً، ولا يطعم أحداً، ولا يعالج أحداً .. موضوع لا يفتح مدرسة، ولا يعيد مستشفى إلى العمل!

قد يظنّ البرهان أنّ فتح معركة جانبية حول العلم سيصرف الأنظار عن فشله وخرابه، لكنه ينسى أنّ الأعلام لا تُرفع فوق الخراب، وأنّ تغيير الشعار لا يغيّر الواقع. فالمشكلة ليست في ألوان العلم، بل في من يمثله .. المشكلة في السلطة التي أنهكت الدولة، وفشلت في حماية أهلها، وعجزت عن وقف نزيفها.. والمشكلة الأكبر في أن هذا الرجل لم يستوعب بعدُ أنّه هو المشكلة لا الحل.

إنّ السودانيين الذين ينتظرون الخلاص لا يطلبون علماً جديداً ، بل ينتظرون وقف الحرب، ويريدون من يعيدهم إلى ما قبل يوم انقلابه المشؤوم في 25 أكتوبر 2021، لا إلى يوم استقلالهم في 1 يناير 1956. إنهم يتطلّعون إلى المستقبل لا إلى الماضي، إلى استعادة الحكم الرشيد، وعودتهم إلى حياة تحفظ إنسانيتهم وكرامتهم.

أيّها المأفون فينا: السودانيون هم العلم وهم الوطن؛ من بعدهم يبقى التراب والعفن.

وأنت العفن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار