السودان

الوليد مادبو يكتب: علي كرتي .. صراخ الضحية الزائف!

بقلم: د. الوليد آدم مادبو :

حين يظهر علي كرتي – المطلوب دوليًا والملاحق بتحقيقات وزارة الخزانة الأمريكية – ليصرخ ضد “الإمبريالية”، فإننا لا نكون أمام مفارقة سياسية فحسب؛ بل أمام مهزلة أخلاقية مكتملة الأركان. فالرجل يتحدث كما لو أن التاريخ طينٌ رخو يمكن عجنه ببيان، أو أن العالم نسي فجأة أن الحركة التي يتحدث باسمها وُلدت في أحضان الاستخبارات البريطانية ثم رُعيت بعناية في حضن الـCIA، كما وثّق محمود ممداني بأناة عالم وبصرامة مؤرخ، لا بخيال معارض.

في كتابه Good Muslim, Bad Muslim، يؤكد ممداني أن الإسلام السياسي الحديث لم يكن حركة بريئة تتلمس طريقها في الفضاء الروحي للأمة ، بل “مشروعًا جيوسياسيًا” بدأته بريطانيا منذ الأربعينيات حين رأت في الإخوان المسلمين قوة يمكن استخدامها لضرب الحركة العمالية والاتحادية في مصر والسودان. ويكشف ممداني—اعتمادًا على وثائق وزارة الخارجية البريطانية—أن لندن نظرت للإخوان باعتبارهم “أصولًا قابلة للتوظيف” ضد القومية العربية، تمامًا كما وظفت رجال الدين في الهند ضد المؤتمر الوطني.

ثم جاء الدور الأمريكي. يوضح ممداني أن الـCIA ورثت المشروع من لندن في الخمسينيات، وموّلت شبكات الإسلاميين عبر رابطة العالم الإسلامي، ودعمت صعود زعمائهم الطلابيين، وجعلتهم رأس حربتها في حربها الباردة. وبينت وثائق لجنة “تشرشل–داون” المفرج عنها كيف رُسِمَ للإسلاميين دورٌ يتجاوز حدود الوعظ: دورٌ يضرب اليسار من الداخل ويقوّض مشاريع التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا.

وسط كل هذا التاريخ الموثق ، يقف علي كرتي —تاجر السيخ (الحديد) الذي يتصف بالبؤس الثقافي والفكري— ليحاضر في “النقاء الثوري” و“مناهضة الإمبريالية”. إن المفارقة لا تُقرأ بوصفها تناقضًا سياسيًا، بل بوصفها بنية ذهنية داخل الحركة الإسلامية التي أنتجته: بنية تقدّم السمسار على المفكر، والمهرِّب على العالم، والموالِي على الكفء . فقد صعد كرتي لا لأنه يمتلك مشروعًا سياسيًا، بل لأنه يجسد ثقافة الحركة نفسها: ثقافة تقوم على الحيلة، والتمكين الشبكي، والاستثمار في الولاء العشائري والأمني. حركةٌ نشأت في هوامش المخابرات، فلا عجب أن باتت تُدار بعقلية تاجر الحراج لا بعقلية رجل الدولة.

بعد هجمات 11 سبتمبر، اكتملت الدائرة القذرة التي كتب عنها ممداني : “الإسلاميون الذين صُنِعوا لمحاربة الاتحاد السوفيتي، أصبحوا المورد الأول للمعلومات بعد أن انقلب السحر على الساحر”. ولم يكن أحد أكثر حماسة لهذا الدور من صلاح قوش ، مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني .

فتح قوش الخرطوم أمام الـCIA فتحًا كاملًا: سلّم قوائم مفصلة للجماعات الإسلامية والمقاتلين الأجانب، قدم معلومات حساسة عن مسارات “الأفغان العرب”، ورحّب بوفود أمنية أميركية كانت تدخل وتخرج وكأن السودان إحدى محطاتهم الإقليمية.

لقد أصبحت الخرطوم—بفضل الإسلاميين—منصة استخباراتية لواشنطن في لحظة الهلع الأمني التي بررت احتلال أفغانستان ثم العراق. وهذه الحقيقة يذكرها ممداني صراحة في فصوله عن “سياسة إنتاج الإرهاب” حين وضع السودان ضمن الدول التي لعبت دور “المخبر الإقليمي” بعد انهيار مشروع الإسلاميين العالمي.

ختامًا، لم يكن الإسلاميون يومًا ضحايا الإمبريالية؛ كانوا خُدّامها المطيعين . أدّوا دورهم الوظيفي في الحرب الباردة، ثم استُهلكوا في “الحرب على الإرهاب”، حتى جفَّت منافعهم وذبلت قيمتهم الاستراتيجية. واليوم، وقد تغيّرت خرائط القوة وتبدّلت أولويات العواصم التي أنجبتهم ورعتهم، لم يعد لهم موقعٌ إلا على هامش المشهد الدولي.

لقد استنفدت الإمبريالية أغراضها منهم، وما علي كرتي وزمرته إلا الصدى المتأخر لمشروعٍ وُلد ملوّثًا من أصله : مشروعٍ لم يُنتج حضارة، ولا نهضة، ولا عدالة؛ بل أنتج الفساد، والأجهزة، والشبكات، والولاءات. ذلك المشروع الذي لخّصه ممداني بعبارته القاطعة: “It was not a clash of civilizations, but a partnership of intelligences.”لم يكن ما جرى صراعَ حضارات، بل شراكةَ مخابرات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار