كان مشهد الأمس يفوق طاقة الاحتمال؛ أن يطالع المرء صباحاً مقالًا موسومًا باسم عبد الفتاح البرهان، مكتظًا بالأكاذيب والاختلاقات. بدا الأمر بالنسبة لي أشبه بتلك الجرعة القاتلة التي يحذّر منها الأطباء، والتي تسكت القلب في التوّ واللحظة.
وليس لدي شك، بل من المؤكّد، أن البرهان لم يكتب ذلك المقال، وكنت سأقول إنه لم يقرأه حتى، لولا خشية أن أُتَّهم بالمبالغة، وما أنا بمبالغ؛ فهذه حقيقة يعرفها كل من اقترب منه وعرفه عن مكان قريب – *من أمثالي* – ولا شرف شخصيًا في الأمر ولا تشريف، بل هي نقطة سوداء في طريق الخطايا الذي مشيناه في مسعانا الحميد لأجل بلادنا وحرية شعبها.
البرهان – لمن لا يعرفه – كذاب مرضي، وصاحب شخصية سطحية بسيطة، بعقل صغير لا يتسع لغير ما يلمع أمامه، ودواخل فارغة كفؤاد أم موسى، إلا من شذرات معرفية ضحلة يسعى للحصول عليها مشافهة، بالقدر الذي يرضي ظنونه بتحقيق حلمه في الوصول إلى السلطة والحصول على لقب (رئيس!)؛ ذلك الحلم الذي لأجله حطّم آمال السودانيين ودمّر بلادهم وجعل حياتهم جحيمًا مستعراً!
المقال الذي نشرته صحيفة *وول ستريت جورنال* جاء كما يليق بسيرة الرجال الزئبقي، الذي له خاصية التقلب والتحور بما يجعله منافساً للفيروسات!
فالرجل يصبح إبراهيميًا ويغدو وثنيًا، يضع يده في مائدة ابن سلمان بينما قلبه مع علي خامنئي، وهو إسرائيلي أحيانًا وجندي في كتائب الأقصى دائمًا، يطالب بالهيكل والقبة في آن معًا، وأجزم لو أنه قد سمع أن تأييد جماعات الإباحية الجنسية في الغرب قد يوصله إلى السلطة، لما تردد في نشر مقاله بمجلة *بلاي بوي* Playboy مع صورة له وهو في وضعية الانحناء!
لست هنا لمناقشة المقال، فالمقال لا توجد فيه حجة حتى يُردّ عليها، فدحضه موجود في اسم كاتبه؛ أوله كذب، ومتنُه استخذاء واستجداء، ومنتهاه عار!
وهو مقال يعكس عهر الواقع الذي تعيشه بلادنا تحت ظل “الزعيم الكاتب”، فهو يحتشد بالأكاذيب والأخطاء حد الغباء، ما يذكّرني بقصة التلميذ الذي قال لأستاذه: صحّح لي هذه الجملة يا أستاذ: الخسن والخسين بنات معاوية. فأجابه الأستاذ متعجبًا: وماذا أصحّح فيها؟! جملتك غير مفيدة وليس فيها كلمة واحدة صائبة! فهما الحسن والحسين، بالحاء لا بالخاء، وهما ولدان لا بنات، وأبناء علي لا معاوية!
من المؤسف والمضحك أن بعض سماسرة اللحظة قد استطاعوا أن يلعبوا بعقله ويدغدغوا مكامن السلطة بداخله، فانصاع لهم بغبائه وقَبِل طائعاً وبكامل إرادته أن يلعب هذا الدور الهزلي، ظنًا منه أن العالم مثله سخيف وضحل إلى درجة أن تتغيّر نظرته بمقال منشور في قسم *(الرأي)* بصحيفة – أمريكية كانت أو بورتسودانية!
لقد تم استدراج الرجل الذي كان بالأمس يهدّد ويتوعد من بورتسودان مبعوث الرئيس الأمريكي، فتم جلبه بظِلفه إلى حتفه، ليجد أمريكا واقفة في المكان الذي استدرجت إليه: اليوم السلاح الكيماوي، وغدًا أمر آخر، حينها سيعلم أن الأمر أكبر من أن يُحلّ بمقال يغيّر فيه اسمه؛ من عبد الفتاح البرهان إلى عبد الفتاح الإبراهيمي.
في رواية “خريف البطريرك” للروائي العالمي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز، جاء على لسان الراوي: “الجنرال ليس غبيًا فحسب بل تنقصه أشياء أساسية”.
وهكذا هو البرهان، كما قال ماركيز، يبقى غبياً مهما تزيّن بالمقال، وتنقصه أشياء أساسية؛ منها الصدق .. *والأخلاق عموماً.*