السودان

صحيفة observer: تغطية إعلامية مشوشة: كيف تنقل وسائل الإعلام الغربية الحرب في السودان؟

إذا حاول أحدهم فهم ما يجري في الحرب الحالية بين قوات الدعم السريع (RSF) والقوات المسلحة السودانية (SAF) من خلال مقتطفات وسائل الإعلام الغربية مثل BBC وRFI وCNN وحتى الجزيرة، فمن المرجح أن يخرج أكثر ارتباكًا من أن يتوصل لفهم حقيقي.

الصراع الأخير في دارفور، حيث هزمت قوات الدعم السريع الجيش السوداني بعد سيطرتها على مدينة الفاشر في 26 أكتوبر، يوضح ذلك. ورغم ذلك، ركزت معظم التغطيات الإعلامية على اتهام الدعم السريع بقتل أعداد كبيرة من المدنيين، دون إتاحة المجال لسماع روايتهم أو التحقق من صحة هذه الادعاءات.

الحقيقة ضحية الحرب: غياب الرواية الأخرى

لم تبادر أي من وسائل الإعلام العالمية المعروفة إلى التواصل مع قوات الدعم السريع لسماع وجهة نظرهم أو التأكد من الوقائع، بل اكتفوا بنقل رواية واحدة تتهمهم بتنفيذ مجازر ضد المدنيين السود، خصوصًا من ذوي البشرة السوداء في الفاشر.

ولا يمكن فهم الأوضاع في أي بلد دون التعمق في تاريخه، خصوصًا عندما تكون الحقيقة هي أولى ضحايا الحروب، كما هو الحال في السودان.

جذور الأزمة: من الاستقلال إلى الحرب الأهلية

بدأت الأزمة منذ استقلال السودان عام 1956 من الحكم الثنائي البريطاني-المصري، حيث قام النخبة الشمالية – مدنيين وعسكريين – بتأصيل سياسات الأسلمة والتعريب داخل المجتمع السوداني، مما زرع بذور الانقسام.

رغم أن السودان يضم مزيجًا من العرب والأفارقة الذين عاشوا معًا لقرون، إلا أن التهميش دفع الجنوبيين لشن حرب في 1972 ضد حكومة الرئيس جعفر نميري، فيما اجتاحت القوات المسلحة السودانية مناطق النوبة، لتشتعل الحروب مجددًا في 1983 على يد العقيد جون قرنق، احتجاجًا على فرض الشريعة.

تدخلات خارجية وصراعات ممتدة

في عام 1986، وبعد وصول يويري موسيفيني إلى السلطة في أوغندا، قدم الجيش السوداني دعمه لقوات أوكيلو الهاربة، بل وساهم في إذكاء الحرب الأهلية شمال أوغندا عبر دعم جوزيف كوني.

في المقابل، دعم موسيفيني الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة قرنق، للتصدي لمحاولات البشير نشر الإسلام السياسي والإرهاب في المنطقة.

الإسلام كغطاء أيديولوجي: تسييس الدين وتمزيق الدولة

لم يكن الإسلام نفسه هو المشكلة، بل توظيفه كأداة سياسية من قبل البشير وحزبه، المؤتمر الوطني، إلى جانب الجيش. فهؤلاء دمروا السودان بهوسهم بسياسات الهوية المستندة إلى الهيمنة العرقية والدينية، على حساب التنوع الوطني.

في 2005، وبعد اتفاقية نيفاشا، عبّر جون قرنق عن رغبته في وحدة السودان، بشرط أن تجعلها الخرطوم خيارًا جذابًا للجنوبيين. لكن العكس حدث، مما أدى إلى انفصال جنوب السودان عام 2011، وفقدان السودان 25% من أراضيه و70% من إيراداته النفطية.

دارفور والحرب الحالية: تكرار التاريخ بمسميات جديدة

بدأت حرب دارفور عام 2003، حيث لجأ البشير إلى تسليح الجنجويد لقمع التمرد الشعبي، وهؤلاء تحولوا لاحقًا إلى قوات الدعم السريع. وفي 2019، انقلب الجيش والدعم السريع معًا على البشير.

لكن في 15 أبريل 2023، اندلع صراع دموي بين القوتين نفسهما، وصل إلى مستويات لم يكن يتخيلها أحد.

تحالفات جديدة: هل يشهد السودان ولادة دولة مختلفة؟

رغم الاتهامات الموجهة للدعم السريع بقتل المدنيين في الفاشر، إلا أن تحالفًا جديدًا يُدعى “تاسيس” نشأ بين الدعم السريع والحركة الشعبية/ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.

وقد شكل هذا التحالف حكومة موازية، برئاسة الفريق حميدتي، ونائبه عبد العزيز الحلو – زميل جون قرنق في الكفاح ضد البشير.

يؤكد هذا التحالف أنهم يقاتلون من أجل “سودان جديد” ديمقراطي وعلماني، في كسر واضح للثوابت القديمة التي قامت عليها الدولة السودانية.

نهاية الهوية الإقصائية: هل تلوح فرصة للسلام؟

لا يمكن إنهاء الحروب الأهلية في السودان دون التخلص من السياسات التمييزية التي بدأت منذ الاستقلال. التعاون بين حميدتي والحلو – رغم خلفياتهم المختلفة – قد يفتح بابًا لتغيير حقيقي، إن كُتب له الاستمرار.

فلنترقب كيف ستتطور الأوضاع. فربما تكون هذه هي الفرصة الأخيرة لبناء سودان لا يُقصي أحدًا.

صحيفة observer

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار