كل ما حدث ويحدث في بورتسودان ليس طبيعيًا، بل كان منذ اليوم الأول مشاهد محاكاة غير منطقية للطبيعة. والبرهان يدرك ذلك أكثر من غيره؛ فهو يعلم أنه يخوض لعبةً حاسمة سيفارق بعض لاعبيها الملعب اعتزالًا قسريًا أو سقوطًا بالإصابة، وربما بالأمرين معًا، وهذا أفضل كثيرًا.
ويعرف البرهان، قبل غيره، أن اللاعبين الأساسيين الذين سعى لإقصائهم واستبدالهم باحتياطيين محدودي القدرات، يقفون اليوم بلياقة ذهنية وبدنية عالية، وأن عودتهم إلى الأضواء باتت حتمية. ولم يعد أمامه سوى التخلص من الفرقة الهزيلة، والاستعداد لتغيير خطة اللعب، أو الخروج من المشهد بأكمله.
أمس قدّم مسعد بولس، كبير مستشاري ترامب للشؤون الأفريقية والعربية، عبر “سكاي نيوز عربية”، وصفةً أمريكية واضحة للحرب ولما بعدها، تستند إلى ضرورة إقامة حكم مدني قادر على إدارة الصراع وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعيدًا عن شبكات النفوذ التي أشعلت الحرب وانقلبت على ارادة الشعب ضد التحول الديمقراطي.
وكان الرجل صريحًا حين سمّى الإخوان (الكيزان) وعناصر نظام البشير وأي امتدادات مرتبطة بإيران خطًا أحمر للولايات المتحدة والرباعية.
وتوصيفه هذا يعكس إدراكًا عميقًا لمخاطر نفوذ قادر على تسميم فضاء السودان والمنطقة، عبر شبكات مسلحة أو ولاءات خارجية، ويؤكد ضرورة ضبط هذه القوى لضمان استقرار البلاد والمنطقة معًا.
سياسيًا وأخلاقيًا، يمثّل هذا التوجه -نظريًا – بداية طي صفحة الانقلاب والحرب، وإعادة القوى المدنية الديمقراطية إلى موقعها الطبيعي في صياغة المستقبل، وتأسيس مؤسسات خاضعة لرقابة الشعب ومحاسبته.
وأشار بولس إلى أن التواصل مع طرفي الحرب يتم يوميًا وبكثافة، ما يعكس التوجّه الجديد لإدارة ترامب، القائمة على دبلوماسية نشطة تمزج بين الضغط والمفاوضة، لفرض الهدنة وتوسيع المسارات الإنسانية، وتهيئة المناخ لاتفاقات مدنية قابلة للتطبيق بعيدًا عن تأثير المعرقلين. كما أوضح أن لدى واشنطن و(الرباعية) وسائل ضغط يجري تقييمها، وقد تُعلن خطوات إضافية بعد موافقة الرئيس ترامب.
وهكذا تتبدّى فرصة حقيقية للسودان لإعادة تشكيل المشهد السياسي، بما يسمح للقوى المدنية بالتموضع الفعّال، وتقليص تأثير الشبكات المعرقلة، ووضع أسس حكم مدني قادر على إدارة الدولة بكفاءة، وفتح الطريق لإصلاح سياسي وعدلي وعسكري وأمني شامل، يضمن مشاركة عادلة وشفافة، ويؤسس لاستقرار طويل الأمد.
ستقف الحرب يومًا طال الزمن أم قصر، وسينتصر حلم الشعب السوداني، ويعود السلام، وتخرس البندقية، وترتفع راية الحرية. هذا مما لا شك فيه.
وعلى البرهان أن يختصر الطريق؛ فكل مخاتلة وهروب من / ونحو الجماعة التي تحيط به ما هو إلا هروب من قدر الله إلى قدر الله. والأفضل له وللجيش وللسودان أن يواجه هذا القدر وفي وجهه مزعة كرامة .. وشجاعة أيضاً!
لقد أيقن البرهان أخيراً أن زمن الصراخ وزمن الأحداث الارتجالية الكبيرة قد انتهى، وأن أحلامه السمينة تحتاج إلى تخسيس، وأن على حلفائه الكيزان أن يحفروا باطن الأرض، فلا مكان لهم على ظاهرها في السودان، *أو أن يستعدوا لإنشاد حُداء الرحيل إلى إيران؛ فذلك أنسب لهم.. ولنا.