السودان

منعم سليمان يكتب: الناجي الوحيد من الذبح .. صار يعبد خنجراً!

بقلم: منعم سليمان

يبدو أن “أركو مناوي” قد قرر أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه، لا بوصفه مقاتلاً ولا حاكماً، فقد خسر كليهما: الأولى بجبنه، والثانية بغبائه، بل آثر أن يخلد اسمه كمخترعٍ لنظريةٍ سياسيةٍ غير مسبوقة: الهدنة بعد الانسحاب!

هكذا اشترط الرجل الذي جمع بين ضمور العقل وقسوة القلب، إذ قال إن على قوات الدعم السريع أن تنسحب من الفاشر، ومن سائر المدن التي تسيطر عليها، وأن تُفرج عن الأسرى قبل أن تبدأ الهدنة!

أي إنه يريد منها أن تفعل له ما عجز هو عن فعله بالحرب طوال عامين ونصف، وأن تُعلن هزيمتها وتسلم نفسها طوعاً لخصمها الذي هزمته في المعركة!

فما الداعي للهدنة بعدها؟ إذن انتهت الحرب، وحكم الكيزان وصار هو حاكماً، أي عبقرية سياسية وعسكرية هذه؟!

والمفارقة أن هذا الخطاب يخرج من رجلٍ مهزومٍ في الحرب، فقد كل جيشه في ميدان المعركة، ولم يتبقّ له سوى أوهامه، وكان حرياً به، وقد أحاطت به الهزيمة والفشل من كل جانب، أن يواجه الواقع ويعمل وفقاً لمقتضياته، لا أن يُنكره، أقله ليصنع ما يُبقي له أثراً يذكره به إنسان دارفور، الذي كان له نصيبٌ وافرٌ في مأساته، سلماً وحرباً.

مناوي الذي بدأ حياته شرطياً للجمارك على الحدود – وهي وظيفة هامشية لا تتطلب قدرات متميزة – ساقته رعونته، وهو في نهاية مساره، إلى مرمى بدايته، إذ لم تبقَ منطقة في دارفور لم تسيطر عليها قوات الدعم السريع سوى نقطة جمارك الطينة، وكأن القدر يسخر منه منادياً له؛ عد إلى مكانك الأول!

وبدلاً من أن يتعظ ويسعى إلى هدنةٍ تُوقف الحرب وتُنقذ ما تبقى من الوطن، قرر أن يذهب خلف “ياسر العطا” مردداً خلفه مقولاته العدمية بحماسة الببغاء الذي يظن أن تكرار الصوت ذكاء!

مناوي يعيش في تصورات زائفة حول نفسه، فهو ضحل التفكير – جداً- ومحدود القدرات، أُتيحت له كل السبل ليتعلم ويعيش حياة طبيعية، غير أنه ركلها بقدمه سعياً وراء طموحات شخصية متضخمة غذّتها البندقية.

وهي طموحات وُلدت من رحم الحروب المدمرة التي شهدتها دارفور، ولهذا يقف اليوم ضد إيقافها، إذ يؤمن إيماناً راسخاً بأن قيمته الشخصية لا تتوفر إلا في ظلال الحروب، ووقفها إنما يشعره بضآلته وتفاهة وجوده، بل إن وقف الحروب هو وقفٌ لطموحه الذاتي الذي نذر له ربع قرنٍ من عمره!

وهو في الحقيقة ضحية من ضحايا حروب دارفور القديمة المتواصلة، التي أنجبت مفهوماً مأساوياً مروّعاً وسط بعض الشباب هناك؛ مفاده أن الجاه والثراء والحلم الشخصي لا يُنال إلا بالبندقية!

إن مناوي الذي يرفض اليوم الهدنة الإنسانية ووقف الحرب من أجل إيصال المساعدات الإنسانية لأهله في دارفور، يقف متماهِيًا مع الكيزان الساعين للعودة إلى الحكم على جماجمهم.

وربما يكون هو الناجي الوحيد من مقتلة الفاشر التي لم تعرف لها حروب دارفور مثيلاً، والتي لم يُسلّط عليها الضوء وسط ضجيج الانتهاكات، إذ أُبيد جيشه عن بكرة أبيه هناك ولم ينجُ منه أحد سواه، ليصبح هو الناجي الوحيد من الذبح؛ *وصار يعبد خنجراً”!*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار