السودان

ضغوط الرباعية على البرهان.. هل أصبح الجنرال في مفترق طرق؟

تقرير: راينو

بينما تتصاعد حلقات الحصار الدبلوماسي على قيادة الجيش السوداني، غدا توقيع الهدنة التي طرحتها الرباعية الدولية المكونة من الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وجمهورية مصر العربية، محوراً لا يمكن التغاضي عنه. فالمبادرة أعادت صياغة المشهد السوداني، وانتقلت به من كونه “نزاعاً داخلياً” إلى “قضية دولية” تحظى بضغط غير مسبوق.

هذا التحول يضع قيادة الجيش، برئاسة البرهان، وحلفاءها الإسلاميين والحركات المسلحة، في موقف متأزّم، إذ يتأرجحون بين التمسّك بالسلطة المطلقة والخضوع للشروط الدولية التي تمسّ دورهم وتنهي سيطرة الإسلاميين المستمرة منذ عقود. وهنا يطرح التساؤل: ما هي الخيارات المتاحة أمام البرهان؟

ثقل الهدنة وموازين القوى الدولية:

إن الجهات الدولية التي تقف وراء الهدنة وتطالب البرهان بالتوقيع عليها تمثّل تحالفاً من عواصم النفوذ الكبرى، وتشكّل آلية ضغط تمزج أدوات العقاب والتحفيز. تقود أمريكا هذا المسار، بوصفها المحفّز والموجّه، وقد قادت الإعلان المشترك في 12 سبتمبر 2025 مع المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر، الذي أكّد في بيانه على أنه “لا حلّ عسكرياً للصراع السوداني”.

تطالب المبادرة ببدء هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تليها مرحلة وقف دائم للقتال، ثم مرحلة انتقالية مدتها تسعة أشهر تفضي إلى حكومة مدنية. ويرى المحللون أن هذه الصيغة ليست عشوائية، بل تمثل دمجاً بين الأجندة الإنسانية، والغربية، والإقليمية، إذ تستهدف الحدّ من معاناة المدنيين، وتحجيم النفوذ الإيراني أو الروسي أو التركي في السودان، وضمان السيطرة على الممرات الاستراتيجية في البحر الأحمر ومناطق الشرق الإفريقي.

على الجانب السعودي، يُعدّ الضغط على البرهان جزءاً من رؤية أوسع للأمن القومي والشراكة الخليجية، حيث إن استمرار القتال السوداني يثير هواجس الأمن البحري ويضاعف من عمليات الهجرة وتداعيات أخرى تستصحبها الرياض في سياق أمنها الغذائي واستثمارات رجال أعمالها.

أما الإمارات، فقد انضمت إلى المسار رغم الاتهامات المتكررة بأنها تدعم أطرافاً مسلحة في السودان؛ ودخولها ضمن الرباعية يمنحها بوصلة دبلوماسية إضافية ويعكس رغبتها في كسب موقع فاعل في تسوية تضمن فيها استمرار استراتيجيتها الهادفة إلى القضاء على حركات الإسلام السياسي والحفاظ على تفوق موانئها عبر السيطرة أو البقاء قريباً من ميناء بورتسودان. فضلا عن وجودها ضمن الفاعلين في التسوية يحافظ على تكافوء فرصها كلاعب أقليمي فاعل له أدواره في سياق سباق نفوذ بينها وبين المللكة العربية السعودية.

من جهتها، تنظر مصر إلى السودان باعتباره ملفّاً وجودياً لأمنها القومي، يتعلق بالحدود والموانئ واللاجئين. ورغم دعمها لمبادرة الرباعية، فإنها تضع خطوطاً حمراء أمام أي استبعاد لمؤسساتها من المشهد، وتظل متمسكة بعدم تغييب حليفها التاريخي والاستراتيجي المتمثل في الجيش السوداني.

إلى جانب هذه الدول، تقف مؤسسات دولية متعددة كـ الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و”إيقاد” في موقع داعم ذي ثقل. فقد أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات متكرّرة من أن النزاع السوداني “في مسار الانفجار” وأن الوضع الإنساني بات من أسوأ ما شهده القرن الحالي. وقد جلب حديث الأمين العام، آنطونيو غوتيريش، عن صعوبة احتواء ما يجري في مدينة الفاشر ومحيطها مزيداً من الانتباه الدولي. لا تشكّل هذه الجهات غطاءً دبلوماسياً للمبادرة فحسب، بل هي أيضاً مصدر لضغوط إضافية قد تشمل العقوبات ومراجعة للعلاقات، وربما إحالة ملفات إلى آليات دولية للمساءلة.

خيارات البرهان.. موقف لا يُحسد عليه:

في هذا المشهد، يقف البرهان أمام مفترق طرق مصيري يجعلها ربما في مواجهة حلفائه الإسلاميين والحركات المسلحة. فالخيار الأول المتاح أمامه هو القبول بالهدنة، والتوقيع عليها، أو إعلان القبول بها بشروط تحفظ له بعض النفوذ، ثم يبدأ عملية تفاوض مع الطرف الأخر اي قوات الدعم السريع التي أبدت موافقة مبدئية.

وبحسب المحلل السياسي إيهاب الحسن في حديثه لـ”راينو” فإن: “خيارات البرهان محصورة وقليلة جدا، ولا مساحة أمامه للمناورة، فإما القبول بهذا المسار وهو ما سيمنحه فرصة لإعادة بناء علاقات دولية ليست من ضمنها بالتأكيد طهران أو أنقرة أو موسكو، وتخفيف الحصار، وإعادة ترتيب ميزان القوى داخلياً من موقع أقل هشاشة.

وأستدرك: لكن هذا الموقف ليس مجانياً فهو سيخسر جزءاً من استقلاليته المزعومة في القرار، وسيكون ملزماً بآليات مراقبة وشفافية دولية، كما أنه سيواجه مقاومة داخل المؤسسة العسكرية ومن الاسلاميين الذين باتوا يهددونه بشكل معلن، فضلا عن حواضن أخرى تحافظ على نفوذها خارج تسوية “المحور المدني” المعلوم والمرتبط بقوى الثورة.”

من جانبه، يرى القيادي بتأسيس عضو اللجنة التحضيرية للميثاق المستشار سيف الدين عبد المولي، في حديثه لـ”راينو” أن: “هناك خيار ثاني هو رفض التوقيع أو المماطلة فيه بانتظار الدعم لسيناريو الحرب واستمرار المواجهة. هذا الخيار يحمل مخاطرة عالية جدا، فرفض الهدنة يعني استمرار العزلة، واحتمال توسّع العقوبات، وتخفيف الدعم الذي يجده من دول في المنطقة التي تدعم الخيار العسكري بسبب تركيز واشنطون على من يمولونه لأجباره على وقف الحرب، وربما تحوّل موقف بعض الحلفاء الإقليميين إلى طرف ضاغط أو متمهّل. هذا الموقف سيجد فيه البرهان حصارا ليس فقط دولياً بل أيضاً داخلياً، وربما يتم اتخاذ إجراءات دولية أو قرار دولي يستهدف منع تسليح أو دعم للجيش.”

وشدّد سيف على أن”استمرار القتال في ظل الحصار يجعل الوضع الاقتصادي هشّاً والمجتمع في حالة سيولة، ما يقلّل من المناورة ويزيد من احتمالية تفكّك داخل المؤسسة العسكرية أو انقلاب داخلي.”

فيما يرى الحسن أن ثمة خيار ثالث يتوسّط بين القبول والرفض، وهو قبول مبدئي مع شروط تأجيل التنفيذ أو تفعيل المرونة بمساومات تقنية أو شكلية. ويضيف أن “هذا الخيار يُعدّ نوعاً من “مناورة لاستهلاك الوقت”. لكن ما يميّزه أن الرباعية والجهات الدولية تدركان هذا التكتيك؛ فخرائط الطريق التي أعلنها الخبراء تعتبر أن الحيلة الزمنية لن تنفع ما لم تُرفق بإجراءات تنفيذية واضحة، مراقبة مستقلة، وفتح ممرات إنسانية حقيقية. بالتالي التأجيل أو المناورة فتعرضه لخطر اعتباره معطّلاً للرباعية.”

وحسب متابعات “راينو” لا يبدو أن البرهان يمتلك مساحة بالفعل للمناورة، فخارطة الطريق المطروحة من الرباعية أو الولايات المتحدة وحلفائها، تنقسم إلى ثلاث فترات: الأولى (1-3 أشهر) هدنة إنسانية، ثم الأشهر (4-9) وقف شامل وإعادة انتشار، وبعدها تحويل إلى حكم مدني.

مؤثرات وأفعال وأقوال:

تحليلات أخرى تربط موقف البرهان بمؤثرات أخرى، وترى أن القبول أو الرفض ليسا مجرد خيار ثنائي بين البرهان والرباعية، بل يخضع لحسابات معقّدة، أبرزها: علاقته مع المؤسسة العسكرية، علاقته بالإسلاميين المسيطرين على الجيش، النفوذ الخارجي، شرعيته الداخلية التي ظل يبحث عنها منذ اليوم الأول للحرب، وتجلت في خطابات مناصريه برفض أي توصيف له باعتباره قائد للجيش وإصرارهم على تسميته بـ رئيس مجلس السيادة، فضلا عن عامل آخر يتمثل في توازن القوى الإقليمي.

فمثلاً، إذا قرر القبول، فقد يبدأ فوراً الدخول في مفاوضات أكثر شمولاً تقلّل من دوره التقليدي، لكن إذا رفض فقد يواجه ليس فقط عقوبات دولية بل أيضاً احتمال تحول توجه بعض الجهات التي تساندُه إلى مسار مدني أو عسكري بديل خارجه.

بيد أن ثمة رؤية اخرى ترى أن البرهان مواقف بالفعل على الهدنة وإن ابدى غير ذلك، ويستدل مناصرو ذلك الاتجاه على تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس الأخيرة التي قال فيها، إن التفاهمات المبرمة مع رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان تضمنت السماح له بإطلاق التصريحات التي يراها مناسبة داخل السودان، مقابل الالتزام العملي بتنفيذ البنود المتفق عليها ضمن مسار التسوية الجارية.

وأوضح بولس أن الوساطة الدولية تركّز على الأفعال لا الأقوال، مشيراً إلى أن ما يهم الوسطاء هو مدى التزام الأطراف بتنفيذ الاتفاقات على الأرض، وليس التصريحات الإعلامية التي تصدر خلال مراحل التفاوض أو إدارة الصراع السياسي.

وأضاف أن مخرجات الآلية الرباعية الدولية تسير وفق الخطة الموضوعة، وأن فريق الوساطة يتابع عن كثب تطورات الوضع بهدف الوصول إلى سلام شامل وإنهاء الحرب عبر اتفاق مدعوم بضمانات إقليمية ودولية، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول البنود أو الجدول الزمني للتنفيذ.

استراتيجية الضغط:

من جانبه، أعتبر المحلل السياسي عمر سفيان سالم في حديثه لـ”راينو”: “منظور الجهات الدولية المطالبة بتوقيع الهدنة والمضي في خارطة الطريق، لا ترى أن الضغط عبثي بل استراتيجي. تلك القوى تمارس الضغط ليس فقط لتوقيع هدنة، بل لفرض معادلات جديدة، بان تكون السلطة في الدولة تحت إطار مدني، وليس تحت هيمنة العسكر، وأن تُفتَح الممرات الإنسانية وتحاصر الأطراف الرافضة أو المعرقلة.”

وأشار إلى أن بيان الرباعية تحدث في وقت سابق بوضوح عن أن مستقبل السودان يجب أن يُحدّده السودانيون أنفسهم لكن في ظل «حكومة مدنية شاملة» ومراقبة دولية، ومن غير المقبول أن يكون أحد المتحاربين طرفاً مسيطراً في مرحلة الانتقال. هذا الموقف يشير إلى أن الجهات الدولية لن تكتفي بتوقيع بل ستطلب آليات تنفيذ، وقد تعرّض الطرف المعرقل لعقوبات، تفكيك شبكات التمويل، مراقبة أسلحة، وربما إحالة إلى محاكم دولية إن استمر المسار في خيار التصعيد.”

واقعيا فإن الكثير من السودانيين باتوا يرون إلى أن مبادرة الرباعية هي الفرصة الأخيرة لإنقاذ البلاد من الانهيار الكامل. خصوصا بعد أن قالت تقارير أممية إن ملايين السودانيين مهددين بالمجاعة، وأن العامل الزمني يقلّ، مما يرفع من تكلفة التأخير الماثل. وفي هذا السياق، يبدو أن البرهان لا يملك رفاهية الانتظار، لكن القرار ما يزال بيده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار