السودان

الفاشر في قبضة الدعم السريع: هل انقلبت موازين الحرب وتعطّلت بوصلة “الرباعية”؟

تقرير: راينو

لم تمضِ 24 ساعة على سيناريو فشل الجيش السوداني في مفاوضات الرباعية برفض التوقيع، وعرضه صفقة على الولايات المتحدة الأمريكية بمنح امتيازات التعدين وموانئ البحر الأحمر مقابل إجبار الدعم السريع على فك حصار الفاشر، وإسقاط العملية السياسية التي تفضي لحكم مدني في السودان، إلا وقال الدعم السريع كلمته بهجوم مباشر على الفاشر في تصعيد عسكري بالغ الحدةK لتعلن أجهزته الإعلامية بسط سيطرته على مقرّ قيادة الجيش داخل المدينة. الأمر الذي فتح باب التساؤلات حيال هذا التطور الميداني النوعي ومدى قدرته على إعادة صياغة موازين القوى على الأرض، وتأثيره على المبادرات الرامية لوقف الحرب، لا سيما تلك التي تقودها “الرباعية” الدولية، أمام تحديات غير مسبوقة بخصوص الانتقال المدني في السودان.

أهمية الفاشر:

إجماع غير مسبوق على أن الفاشر تُمثّل نقطة ارتكاز استراتيجية داخل إقليم دارفور، بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط شمال السودان بطرق إمداد حيوية تمتد نحو حدود ليبيا وتشاد ومصر. وهذه الأهمية اللوجستية والعسكرية تجعل السيطرة عليها أمراً بالغ الأثر على خطوط الإمداد الإقليمية والتوازن العسكري العام.

وقد أدّى الحصار الطويل والعمليات الجوية والمدفعية المتواصلة حول المدينة إلى مأساة إنسانية، تمثلت في نزوح جماعي ونقص كارثي في الغذاء والخدمات الطبية. وعليه، فإن أي تحوّل في ميزان السيطرة داخل الفاشر يحمل في طياته تأثيراً بالغاً على كل من المشهد الوطني والإقليمي. خصوصا في أعقاب الثقة التي أعلن بها تحالف تأسيس على لسان ناطقه الرسمي د.علاء الدين نقد، وضع نقطة الختام على وجود الجيش في المدينة العريقة.

التغيير في المشهد:

وتذهب التحليلات إلى أن التطورات الحالية من شأنها تغيير المعادلة في السودان، خصوصاً عقب نكوص الجيش عن أي محاولة لوقف الحرب، وعصفه بكل المبادرات وتماطله في الاستجابة إليها.

ويذهب القيادي بحزب الأمة القومي عبد الجليل الباشا في حديثه لـ”راينو” إلى أن بيان الرباعية الذي استبق التصعيد يعتبر نقطة تحول جوهرية في تعاطي المجتمع الإقليمي والدولي مع الأزمة السودانية بما عكسه من جدية في رسم خارطة طريق ترتكز على وحدة السودان وإيقاف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية وابتداء عملية سياسية يكون محور ارتكازها هي القوى المدنية.

وأضاف: “بالتالي فإن الأوضاع الميدانية لطرفي الحرب قد تكون لها تأثير في توازن القوى والمواقف التفاوضية، وفي هذا الإطار فإن التطورات في مدينة الفاشر قد تشكل تحولاً كبيراً في الموقف الميداني والتفاوضي لما لها من أهمية استراتيجية وتأثير كبير في مجريات الأحداث”.

واعتبر الباشا أن الثابت في بيان الرباعية هو إيقاف الحرب واستدامة السلام والحكم المدني، وبالتالي لن يكون هناك تغيير في موقف الرباعية باعتباره يعبر عن إرادة وتطلعات أهل السودان الذين تأثروا كثيراً من هذه الحرب التي فُرضت عليهم، وأنتجت مأساة إنسانية غير مسبوقة.

وتابع: “ولكن بالتأكيد الموقف الميداني قد تكون له انعكاسات مباشرة في الموقف التفاوضي بشكل يجبر الطرف المتعنّت على تغليب خيار السلام على الحرب، خاصة وأن هذه الحرب ليس فيها منتصر أو مهزوم بل الخاسر هو الشعب السوداني، وختاماً ربما تكون لهذه التطورات الميدانية دور في تفكك التحالفات القائمة وبالذات معسكر بورتسودان بشكل يدعم قضية السلام بدل الإصرار على استمرار الحرب.

من جانبه أشار القيادي بتحالف تأسيس والجبهة الثورية “سيف الدين عيسى” في حديثه لـ”راينو”، إلى أنه سيكون لتطورات الأوضاع بالفاشر تأثير كبير على موازين القوى في الأرض، وقال: “بهذا فقدت مليشيات الجيش دارفور كلها، فالفاشر منطقة استراتيجية هي مدخل أساسي لشمال السودان إلى الدابة وأيضاً هي الطريق الرابط بين دول الجوار مصر وليبيا وتشاد”.

وأوضح عيسى إن مواقف الجيش التفاوضية ومنذ البداية كانت ضعيفة جداً، “لذلك دوماً يسعى إلى شراء الوقت لترتيب أوضاعه الميدانية”. وكشف عن أن الأمر لن يتوقف عند حدود الفاشر، وزاد: “قوات تأسيس لن تتوقف عند هذا الحد، ستحرر كل شبر من السودان ولن نترك موضع قدم لأي إسلامي يعبث بالوطن، وتابع: الآن قواتنا على مشارف الرهد والأبيض”.

وفي السياق يرى القيادي بتحالف صمود ومسؤول دائرة الإعلام بالتجمع الاتحادي “محمد عبد الحكم” في حديثه لـ”راينو” أن التطورات الميدانية الأخيرة على الأوضاع العسكرية، ودخول قوات الدعم السريع والفرقة السادسة للقوات المسلحة السودانية في مدينة الفاشر، لها ما بعدها في توسعة خارطة القتال وزيادة الحريق ودائرة الحرب جغرافياً.

وقال: “نأمل أن تكون الفاشر آخر محطات القتال، فهي تثبت ما كررناه دوماً أن أي يوم إضافي في الحرب سيشكل معاناة جديدة للمدنيين وسبل حياتهم، كما أنها تؤشر إلى أن السيطرة والانتشار ستظل في حالة تحرك ديناميكي بين هذا وذاك، ما يجعل كل مسعى لحسم الحرب عسكرياً في خانة المستحيل”.

واعتبر “عبد الحكم” أن هذا الأمر يضع مسؤولية أخلاقية على أطراف الحرب، للتعامل مع حرب التوحش بإرادة حقيقية تضع حماية المدنيين وبنى البلاد التحتية كأولوية، ما يحتم المضي في طريق الخضوع لإرادة غالب أهل السودان ورغبتهم الملحة في وقف إطلاق النار وإنهاء الحروب السودانية، وتحقيق السلام الشامل والعادل، وبناء دولة الحرية والعدالة والسلام”.

الفاشر تؤثر في الرباعية:

التحليلات تذهب إلى أن الرباعية التي تستهدف وضع خارطة طريق لوقف القتال، بدءاً بهدنة إنسانية تليها هدنة دائمة، وصولاً إلى مسار سياسي بقيادة مدنية؛ وقد وضعت تشكيل لجنة مشتركة للتنسيق حول الأولويات الإنسانية والسياسية، فضلاً عن إمكانية إيجاد مساحة للتأثير السياسي من خلال الضغط الدولي والإقليمي. يبدو أنها ربما تتعثر على ضوء التطورات الميدانية الأخيرة.

ويذهب المحلل السياسي “عمر سفيان” في حديثه لـ”راينو”، إلى أن التطورات الأخيرة في الفاشر تضغط على خارطة الرباعية عبر مسارين متوازيين، أولهما تفويت أرضية التفاوض أو إعادة رسمها ميدانياً، إذ إن اكتساب إحدى القوى المسلحة سيطرة أو توسعاً ميدانياً في مركز حيوي كالفاشر يغير من الحقائق على الأرض، ويمنح فعلياً ميزة تفاوضية لطرف يسيطر على مراكز حيوية أو على طرق إمداد مهمة.

وأضاف: “هذا يضع الرباعية أمام واقع جديد يتطلب قراءة سريعة لتأثير السيطرة على التوازن التفاوضي وما إذا كانت الخارطة الميدانية ستمضي في تعقيد الحلول السياسية أم تسهّل فرض شروط جديدة. أما ثانيهما بحسب سفيان فيتمثل في الضغط الإنساني والتعجيل بمطالب الهدنة.

ويرى أن التداعيات الإنسانية الملازمة لطول حصار الفاشر فضلاً عن التطور الأخير تشكل ضغطاً وحصاراً على الرباعية في التمسك بخارطتها الداعية إلى هدنة سريعة وفرض آليات وصول إنساني فورية. وهو ما يقوّي خطاب “الرباعية” في المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، لكنه يعرّضها أيضاً لأسئلة حول قدرتها على تطبيق وقف فعلي أمام تحوّل سريع في الميدان، الأمر الذي سيعني في النهاية مزيداً من الضغط الفوري والسريع على الطرف المتعنّت والذي ساهم بمكابرته وسيطرة الإسلاميين عليه في الوصول للتصعيد الماثل.

وأضاف: ربما أيضاً تسهم تلك التطورات في مطالبة الدعم السريع بشروط تفاوضية جديدة أو تقوض ثقة الأطراف في التزام وقف النار، ما يدفع “الرباعية” لزيادة الضغوط الدبلوماسية أو تعديل آليات الضمانات الخاصة بها خصوصاً على الجيش. وأضاف: بيد أن الأهم في هذا السياق هو أن التقدم الميداني الماثل سيسهم عاجلاً أو آجلاً في إضعاف تحالفات الجيش والحركات والإسلاميين أو يعيد ترتيب الولاءات، ما يعني بداية انهيار شامل لمعسكر “بل بس”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار