السودان

عضو لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر لـ”راينو”: لا يجب أن يستخدم التعليم كسلاح في الصراع السياسي

مقدمة:

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تدهور التعليم بصورة غير مسبوقة، وتراجعت أوضاع المعلمين المعيشية والنفسية إلى الحضيض. فبين توقف المرتبات، وتدهور العملة، ونزوح الملايين، تحوّل المعلم من حامل لرسالة النور إلى ضحية للظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية.

في هذا الحوار الشامل، يكشف عضو لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر عن تفاصيل صادمة حول أوضاع التعليم والمعلمين، وتشرح حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية في البلاد، من انهيار البنية التحتية وتوقف المرتبات إلى الانقسام الجغرافي والسياسي، مع رؤية واضحة لإعادة بناء التعليم بعد الحرب.

نصف مدارس السودان تأثرت بالحرب وتحولت إما إلى دور إيواء أو لثكنات عسكرية تستهدفها الهجمات الجوية في المناطق الملتهبة

(*) كيف تصفون الوضع المعيشي والنفسي للمعلمين منذ اندلاع الحرب في السودان؟

الوضع المعيشي بالنسبة للمعلمين هو وضع سيئ جداً، نعتقد أنه الآن أسوأ وضع يمكن أن يمرّ به المعلم. حروب، نزوح، ضيق، ومعلمٌ ضحية، إضافة إلى توقف المرتبات وتعقيدات الحياة. فالمعلمون الآن يمرّون بأوضاع كارثية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي. فإذا حُجبت المرتبات فهذه كارثة، وحتى في حال صرف بعضها، تظل هناك مشكلات في تسيير شؤون الحياة.

أعطيك مثالاً: قبل الحرب كان الدولار يعادل حوالي 480 جنيهاً سودانياً، أما الآن فيعادل 3,500 أو أكثر، وهذا مقترن بثبات المرتبات. فالمرتبات لم تتغير؛ الحد الأدنى منها 12,000 جنيه، أي ما يعادل نحو 3 دولارات فقط، والحد الأعلى 96,000 جنيه، وهو أعلى مرتب يصرف في الخدمة المدنية عموماً. قارن بين ذلك، لترى كم كانت الـ12,000 تعني قبل الحرب، وكم تعني الآن. أضف إلى ذلك أن بعض البدلات توقفت، وهناك استقطاعات واضحة من المرتب، فبالتالي هذه أوضاع كارثية يعيشها المعلم الآن، سواء اقتصادياً أو اجتماعياً، بسبب الحرب، وتوقف المرتبات، وانعدام قيمتها أو تآكلها.

(*) ما أبرز التحديات التي تواجه المعلمين اليوم في مناطق النزوح واللجوء؟

أبرز التحديات التي تواجه المعلم العادي، أنه في مناطق النزوح يكون فاقدًا لعمله، وبالتالي يفقد راتبه في كثير من الأحيان. فهو يعاني ما يعانيه المواطن السوداني جرّاء الحرب في مناطق النزوح واللجوء، ويُضاف إلى ذلك أنه فاقد لمهنته ومصدر دخله الأساسي.

(*) هل توجد إحصاءات تقريبية عن عدد المعلمين الذين نزحوا أو فقدوا وظائفهم أو مصادر دخلهم؟

لا توجد إحصائية دقيقة بعدد المعلمين الذين فقدوا وظائفهم أو تركوها بسبب الحرب، لكن من الملاحظ أن هناك عددًا كبيرًا جدًا منهم نزحوا وتركوا عملهم، واتجه بعضهم للبحث عن وظائف بديلة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 50% أو يزيد من المعلمين الذين كانوا يعملون في ولاية الخرطوم قبل الحرب، أصبحوا الآن في إجازات بدون مرتبات.

وترجع هذه الظاهرة إلى عدة أسباب، من بينها فقدان المهنة بسبب النزوح، أو التفكير في مهن بديلة لضعف العائد المالي من المرتبات، إضافة إلى تدهور الأوضاع الأمنية والصحية، وفقدان المنازل والممتلكات، ما جعل كثيرًا من المعلمين يضطرون لطلب الإجازات أو ترك العمل نهائيًا بحثًا عن مصدر رزق آخر.

المعلم السوداني يعيش أسوأ وضع اقتصادي في تاريخه والمرتبات لا تغطي أكثر من 5% من تكاليف المعيشة

(*) ما موقف اللجنة من انقطاع المرتبات في عدد من الولايات، وكيف تعاملتم مع السلطات أو المنظمات الدولية بهذا الشأن؟

لجنة المعلمين طبعاً من أوائل الأجسام المهنية والنقابية التي طالبت بفك حجب مرتبات المعلمين. الحرب بدأت في شهر أبريل، وفي نهاية شهر مايو كوّنا لجاناً على مستوى الولايات، خاصة في ولايتي البحر الأحمر والجزيرة، لأن الحكومة في ذلك الوقت كانت منقسمة بين الولايتين. كوّنا لجنتين مركزيتين في هاتين الولايتين لمتابعة قضية مرتبات المعلمين بعد أن تم حجبها عقب اندلاع الحرب، وفقاً لقرار السلطة آنذاك.

ومنذ ذلك الوقت بذلنا مجهودات كبيرة جداً لإبراز قضية المرتبات للرأي العام، سواء داخلياً أو خارجياً. قدمنا مذكرات إلى منظمة العمل الدولية، وإلى ولاة الولايات، وتحدثنا عبر وسائل الإعلام المختلفة، ونتيجة لذلك بدأت بعض الولايات فعلاً في صرف المرتبات. ويُحسب الفضل في إبراز قضية المرتبات لجهود لجنة المعلمين التي ما زالت مستمرة في هذا المسار.

كما أجرى المكتب الاجتماعي للجنة المعلمين السودانيين دراسة لمقارنة المرتبات بالواقع المعيشي، فتوصل إلى أن المرتبات، حتى لو صُرفت بالكامل، لا تغطي أكثر من 5% فقط من تكاليف المعيشة لأسرة مكونة من خمسة أفراد. وأظهرت الدراسة المقارنة بين الحد الأدنى للأجور قبل الحرب وبعدها أن الحد الأدنى في السودان يُعد الأدنى على مستوى العالم، وأن مرتبات المعلمين في البلاد أصبحت من أقل المرتبات عالمياً دون أي شك.

(*) إلى أي مدى تأثرت نقابة المعلمين أو لجانها الميدانية بالظروف الأمنية والانقسام الجغرافي في البلاد؟

طبعاً التأثيرات الناتجة عن الانقسامات الاجتماعية والظروف الأمنية طالت كل البلاد، لكنها كانت أشدّ على المعلمين تحديداً. فالتعليم مثلاً مستمر في بعض الولايات التي يسيطر عليها الجيش، بينما انقطع تماماً في ولايات أخرى لا تخضع لمظلة وزارة التربية والتعليم الاتحادية، خاصة في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان. هذا الانقسام المجتمعي خطير جداً، وينعكس تلقائياً على أوضاع المعلمين الموجودين في تلك المناطق، حيث يسود الاستقطاب الحاد والانقسام بين الموالين لطرف أو لآخر، مما أثّر تأثيراً كبيراً على مهنة التعليم والمعلمين في تلك الولايات. ومع ذلك، نحن في لجنة المعلمين المركزية نسعى جاهدين لمعالجة هذه الأوضاع والحفاظ على وحدة التعليم ودوره الوطني.

(*) هل هناك مبادرات تضامنية داخلية بين المعلمين أنفسهم لتخفيف المعاناة أو تنظيم الدعم المتبادل؟

توجد مبادرات هنا وهناك لتخفيف وطأة الحرب على التعليم، لكنها محدودة. القضية يمكن أن تكون أكبر من المبادرات. أكبر مبادرة الآن هي مبادرة اليونيسكو، اليونيسكو التي تهدف لاستعادة التعليم في السودان أو لإعادة الطلاب إلى المدارس، والتي تم إطلاقها خلال الفترة الفائتة.

يمكن أن نقول إننا حضرنا هذه الفعالية وقدمنا مذكرة حول كيفية استمرار التعليم دون أن يكون مدخلاً لتقسيم السودان، وأن يكون شاملاً لكل السودانيين. وقد دفعنا بهذه المذكرة إلى اليونيسكو، وهي مرصودٌ لها ميزانيات، فعملية التعليم في السودان مرصودٌ لها دعم مالي من اليونيسكو ومن الشراكات في التعليم على مستوى المنظمات الدولية والإقليمية.

الدولار قفز من 480 إلى أكثر من 3,500 جنيه والمرتبات ثابتة في حين بلغت نسبة المعلمين الذين تقدموا بطلب للإجازة بدون مرتب  أكثر من “50%”

(*) كيف يمكن توصيف المشهد التعليمي الحالي في السودان؟ هل يمكن القول إن التعليم توقف فعلياً أم أنه يسير بشكل متقطع؟

التعليم الآن لم يتوقف، لكنه يفتقد لعنصري الشمول والعدالة. ففقدان الشمول هذا يظهر حتى في الولايات التي يسيطر عليها الجيش، إذ نجد أن ليس كل الطلاب عادوا إلى المدارس بسبب الظروف الاقتصادية والأمنية وغيرها.

وبالتالي، لا يوجد شمول في العملية التعليمية، ولا عدالة في توزيع فرص التعليم. هناك طلاب جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية في مناطق معينة، فيما لم يتمكن آخرون من الجلوس لها في مناطق أخرى. بعض التلاميذ واصلوا تعليمهم، فيما ما زال آخرون خارج العملية التعليمية.

الكارثة الآن في التعليم كبيرة جداً، لأن كل المحاولات الجارية لا تعالج جوهر المشكلة، فالقضية نفسها تُعرَّف بشكل خاطئ. كل طرف يعرّف التعليم وفقاً لقناعاته وما يخدم مصالحه؛ ففي بورتسودان مثلاً يُنظر إلى التعليم باعتباره يجب أن يكون تحت مظلة السلطة القائمة هناك، أي تحت سيطرة الجيش، ولا يُعترف بأي عملية تعليمية خارج هذا الإطار.

أما الطرف الآخر فيرى أن التعليم إذا لم يكن داعماً لموقفه السياسي، فيجب منعه، ولذلك يُحرم بعض الطلاب من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية أو من السفر لأدائها حتى لا يُحسب ذلك دعماً للطرف الآخر.

وهكذا تحوّل التعليم إلى جزء من أدوات الصراع، ما أفقده الشمول والعدالة. ونحن في لجنة المعلمين نؤكد أن الحل يكمن في مراعاة مبدأي الشمول والعدالة في العملية التعليمية، وفق آليات وخطط مختلفة تماماً عمّا هو مطروح حالياً.

(*) ما هي الولايات أو المناطق التي ما تزال تشهد نشاطاً تعليمياً – ولو جزئياً – رغم الحرب؟

الولايات التي تشهد نشاطاً تعليمياً حالياً هي الولايات الواقعة تحت سيطرة الجيش، وتشمل ولايات الشرق والوسط والشمال. أما الولايات الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، فقد بدأت فيها أيضاً محاولات لاستئناف العملية التعليمية، لكن—كما ذكرت—هذه الجهود تفتقد دائماً لعنصري الشمول والعدالة.

هناك مجهودات تُبذل في العملية التعليمية، ويمكن القول إن درجة الشمول في بعض الولايات التي يسيطر عليها الجيش أفضل نسبياً، لكن في الولايات الأخرى ما زال غياب الشمول واضحاً، إذ لا تشمل العملية كل التلاميذ. كما أن الفرص التعليمية غير عادلة بين الريف والحضر، وبين المناطق التي تشهد صراعاً وتلك التي لا تشهده. وبالتالي، فإن غياب عنصري الشمول والعدالة يجعل العملية التعليمية لا تسير في المسار الصحيح.

(*) كيف أثرت الحرب على المناهج والامتحانات القومية، خاصة شهادة الأساس والثانوي؟

طبعاً أكبر تأثير للحرب كان على المناهج الدراسية. عملية تطوير المقررات كانت قد وصلت حتى المرحلة الثانوية، إذ كان من المقرر تغيير المنهج في الصف الثالث المتوسط تمهيداً لاعتماد مناهج جديدة للصفين الأول والثاني الثانوي في الأعوام التالية. لكن عندما اندلعت الحرب، توقفت العملية في تلك المرحلة، فأصبح الطالب يدرس منهجاً جديداً في الصف الثالث المتوسط، ثم يجد نفسه أمام المنهج القديم عند الانتقال إلى المرحلة الثانوية.

أما امتحانات الشهادة، فقد تأثرت هي الأخرى بشكل كبير، إذ انخفض عدد الجالسين للامتحانات من نحو 570 ألف طالب قبل الحرب إلى ما لا يتجاوز 60 ألفاً بعد الحرب، وهو تراجع ضخم يعكس حجم الفاقد التربوي والانهيار الذي أصاب النظام التعليمي في البلاد. وبلغ كذلك الطلاب الجالسون للامتحانات للدفعة المؤجلة ٢٠٢٣م على أحسن الفروض ١٥٠ ألف طالب.

الحرب كشفت عمق أزمة التعليم المتراكمة منذ عقود والتعليم الفني لا يشكل سوى 1.7% من المنظومة التعليمية

(*) هل هناك خطط أو مبادرات للتعليم البديل (عن بُعد، إلكتروني، مجتمعي) تعمل اللجنة على تبنيها أو دعمها؟

زي ما قلت، في مبادرات هنا وهناك، وفي محاولات لأن يكون التعليم القرآني هو البديل أو السدّ الصغير الذي يملأ الفراغ الحاصل في التعليم، لكن المسألة ما زالت في بداياتها، ولم تتطور بعد لتصبح حلاً حقيقياً لمشكلات التعليم في السودان. ونحن نرى أن العالم الآن يتجه نحو التعليم الإلكتروني، وهو خيار تبنّته كثير من الدول، لكن تطبيقه في السودان يحتاج أولاً إلى تأطير مؤسسي واضح على مستوى الإدارات التعليمية، كما يحتاج إلى قانون منظم، وفلسفة تربوية جديدة، وآليات تنفيذ ومتابعة دقيقة. كل هذه العناصر حتى الآن غير متوفرة في الواقع التعليمي الراهن.

(*) ما تقييمكم لدور وزارة التربية والتعليم الحالية في بورتسودان، وهل هناك تواصل رسمي بينكم وبينها؟

وزارة التربية والتعليم، للأسف، من المفترض أن تكون المظلّة التي تجمع كل السودانيين حول التعليم، لكنها الآن فقدت هذا الدور تماماً. فبما أن التعليم أصبح إحدى أدوات الحرب، تمّ الزج بالوزارة في صراع سياسي وانحيازات واضحة لصالح أطراف دون أخرى، مما أفقد العملية التعليمية طابعها القومي والشامل، وجعلها بعيدة عن روح الوحدة التي يفترض أن يقوم عليها التعليم في السودان.

(*) وتنظرون إلى واقع المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين؟ وهل ثمة خطط لإعادة فتحها؟

طبعاً، هناك مدارس كثيرة جداً تاثرت بالحرب، وتحولت نصف المدارس إما لدور إيواء _ ثكنات عسكرية _ هدف عسكري _ داخل مناطق ملتهبة. وشملت ولايات الجزيرة، وسنار، والنيل الأبيض، والشمالية، ونهر النيل، والجبال، وكسلا، والبحر الأحمر، وحتى النيل الأزرق وشمال كردفان. عدد المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء يُقدّر بما يقارب العشرة آلاف مدرسة، من جملة أكثر من عشرين ألف مدرسة في السودان.

وهذا يعني أن نصف البنية التحتية التعليمية تقريباً خرجت من الخدمة، مما فاقم أزمة التعليم وأدى إلى تعطيل الدراسة في مناطق واسعة من البلاد. وطبعاً، استخدام المدارس كمراكز للإيواء أثّر بشكل مباشر على بيئة المدرسة، وجعلها غير صالحة لمزاولة العملية التعليمية من جديد دون إصلاح شامل. فالمدارس التي أُيوي فيها النازحون تضررت بنياتها الأساسية، وأصبحت تحتاج إلى تنظيف، وصيانة، وتأهيل كامل قبل أن تعود لتكون بيئة مناسبة للتعليم. كما أن تكلفة إعادة تأهيل هذه المدارس مرتفعة جداً، ما يجعل عودتها للخدمة التعليمية تحدياً كبيراً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

(*) برأيكم، ما هي الجذور الحقيقية لأزمة التعليم في السودان قبل الحرب الحالية؟
جذر المشكلة في التعليم هو أنه يفتقد للفلسفة والأهداف الواضحة، فالسودانيون لم يتوافقوا حتى الآن على فلسفة محددة للتعليم، ولا على أهداف كلية يتفق حولها الجميع. وبالتالي، أصبح التعليم يُدار وفق الواقع السياسي السائد، ويُستخدم أحياناً كأداة في الصراع، سواء كان صراعاً سياسياً أو عسكرياً.

13 مليون طفل سوداني خارج المدارس، وندعو لعقد مؤتمر وطني شامل بعد الحرب لتحديد فلسفة وأهداف التعليم

ولكي نخرج من هذه الدائرة، نحن كسودانيين بحاجة إلى تحييد التعليم تماماً عن الصراع، ووضع فلسفة قومية متفق عليها، تُترجم إلى أهداف وسياسات وقوانين تعليمية واضحة ومستمرة، بحيث يظل التعليم مستقلاً ومحصناً ضد التقلبات السياسية والتغييرات في الحكم.

(*) هل تعتقدون أن الحرب كشفت أزمة متراكمة في البنية التعليمية والإدارية والمناهج؟

بالتأكيد، الحرب كشفت عمق أزمة التعليم المتراكمة في السودان، سواء من حيث البنية التحتية أو المناهج والمقررات أو حتى نظرة الدولة نفسها للتعليم، بعد أن جرى استخدامه كإحدى أدوات الحرب. وفي خضم هذه الحرب، حذرنا من خطورة تحويل التعليم إلى مدخل لتقسيم السودان، لأن اتخاذه كأداة لتكريس نتائج الصراع يفتح الباب أمام ترسيخ الانقسام المجتمعي. وللأسف، بدأت الخطوات الأولى نحو هذا الاتجاه بالفعل، من خلال الشعور المتزايد بالانقسام داخل المجتمع السوداني، والذي انعكس جلياً حتى في امتحانات الشهادة الثانوية.

(*) ما تقييمكم لسياسات الدولة السابقة في مجال التعليم، وهل أسهمت في انهيار المنظومة؟

طبعاً، الإنقاذ فعلت في التعليم ما لم تفعله أي سلطة من قبل، إذ بلغ التعليم أسوأ مراحله في عهدها. فقد تعامل نظام الإنقاذ مع التعليم كأداة لترسيخ فكر الحركة الإسلامية، وسعى إلى تسليع التعليم وجعله مجالاً للربح والتكسب. وفي هذا الإطار، انتشرت المدارس الخاصة بشكل واسع، فيما رفعت الدولة يدها تماماً عن التعليم العام، مما أدى إلى انهيار البنية التحتية وظهور الجبايات والرسوم الباهظة المفروضة على الطلاب والتلاميذ. كل ذلك كان نتيجة مباشرة للسياسات الخاطئة التي انتهجها نظام الإنقاذ، والتي تركت آثاراً عميقة على التعليم في السودان حتى اليوم.

(*) كيف تنظرون إلى وضع التعليم الفني والتقني، وهل نال حظه من الاهتمام خلال السنوات الماضية؟

يُعتبر التعليم الفني منقذًا حقيقيًا للسودان، إذ يُفترض أن تُشكّل نسبته نحو 50% من مجمل العملية التعليمية. لكن، بسبب السياسات التعليمية الخاطئة في عهد الإنقاذ وتهميش التعليم الفني، تراجعت نسبته بشكل حاد حتى وصلت إلى 1.7% فقط من إجمالي التعليم — وهي نسبة متدنية جدًا وتُعد مؤشرًا على تدهور هذا القطاع الحيوي.

ولرفع هذه النسبة حتى إلى 10% فقط، يتطلب الأمر جهودًا ضخمة ومستمرة. فالنهوض بالتعليم الفني يحتاج أولًا إلى تغيير نظرة المجتمع تجاهه، وإلى تحول في رؤية الدولة تجعله ضمن أولوياتها، عبر تخصيص ميزانيات وتمويل كافٍ لدعمه وتطويره. ففي نهاية المطاف، نهضة التعليم الفني هي مدخل لنهضة السودان بأكمله.

(*) ما المطلوب لإعادة بناء النظام التعليمي في مرحلة ما بعد الحرب؟

الواقع التعليمي في السودان كان متدهورًا حتى قبل اندلاع الحرب، لكنه ازداد سوءًا بشكل غير مسبوق بعدها. فبينما كان يُقدّر عدد الأطفال خارج المدارس قبل الحرب بنحو خمسة إلى ستة ملايين، تضاعف هذا الرقم مع اندلاع القتال ليصل إلى نحو 12 إلى 13 مليون طفل خارج المنظومة التعليمية — وهو مؤشر خطير على عمق الأزمة التي تعصف بالتعليم في البلاد.

تأثرت مؤسسات التعليم بصورة مباشرة، حيث دُمّرت البنية التحتية للمدارس أو تحولت إلى ملاجئ للنازحين، كما تشتّت الكادر التعليمي بين نازح ولاجئ، أو ظل محاصرًا في مناطق النزاع. وإلى جانب ذلك، أدت الحرب إلى شرخ اجتماعي عميق وإلى انتشار خطاب الكراهية والانقسام، ما انعكس سلبًا على البيئة التعليمية وعلى مفهوم الانتماء الوطني داخل المدارس.

هذه الظروف تفرض على السودانيين وضع تصور استراتيجي شامل لاستمرار العملية التعليمية أثناء الحرب وبعدها، يقوم على توحيد الرؤية والأهداف، ووضع فلسفة وطنية واضحة للتعليم تحدد مقاصده الكبرى وأولوياته، ليُترجم ذلك إلى مناهج ومقررات وسياسات تعليمية متفق عليها.
بدون هذا التوافق، ستظل العملية التعليمية رهينةً للأزمات والصراعات، بدلاً من أن تكون أداة لبناء السلام والوحدة الوطنية.

(*) هل ترون ضرورة لعقد مؤتمر وطني للتعليم بعد الحرب، ومن يجب أن يشارك فيه؟

بالتأكيد، من الضروري عقد مؤتمر وطني للتعليم بعد الحرب، يتم فيه الاتفاق على الفلسفة العليا وأهداف التعليم والاستراتيجية الوطنية له. هذا المؤتمر يتطلب توافقًا وطنيًا واسعًا بحيث تُترجم هذه المبادئ إلى مخرجات واضحة وخطط تنفيذية، تضمن أن يكون التعليم محايدًا بعيدًا عن أي صراع فكري أو سياسي أو اجتماعي أو عسكري.

من خلال هذا التوافق، سيصبح التعليم أداة لبناء المستقبل في السودان، ويضع أسسًا متينة لاستقرار المجتمع وتقدمه، بعيدًا عن الانقسامات والصراعات التي عرقلت العملية التعليمية طوال الفترة الماضية.

(*) ما الدور الذي تقوم به لجنة المعلمين حاليًا في ظل هذه الظروف الاستثنائية؟

لجنة المعلمين تركز على عدة محاور في العملية التعليمية. المحور الأول هو قضية التعليم واستمراره، بحيث يتم التنبه منذ البداية إلى أن التعليم لا يكون أداة للحرب، سواء من طرف الجيش أو الدعم السريع أو أي طرف آخر متحالف. التعليم لا يجب أن يكون غطاءً لعودة النظام السابق للسيطرة عليه، ولا مدخلًا لتقسيم السودان، بل مدخلًا لوحدة السودانيين ومعالجة المشاكل الناتجة عن الحرب، مثل انتشار خطاب الكراهية في المجتمع.

للأسف، تم الزج بالتعليم في هذه المسألة أيضًا. لدينا رؤية كلجنة المعلمين للتعليم، كما هو معمول به في كل دول العالم، تتضمن رؤية استراتيجية للتعليم على أساس التغيير الجذري. نسعى للإجابة على سؤال أساسي: هل التعليم منذ 1956 وحتى اليوم ساهم في بناء الشخصية السودانية السوية، ودعم النهضة ونمو وتطور السودان؟ الإجابة بالتأكيد لا، التعليم لم يسهم بصورة كبيرة في هذه الجوانب.

لذلك نحن بحاجة لتغيير جذري، أي بناء نظام تعليمي جديد يقوم على مبدأ بناء الشخصية السودانية المتوازنة والواعية والجادة، القادرة على التعايش مع التنوع الجغرافي والعرقي والثقافي والاجتماعي والديني في السودان، بحيث تُصهر هذه العناصر في بوتقة واحدة لتحقيق التماسك والتكامل.

ثانيًا، يجب أن يكون التعليم أداة من أدوات البناء، لا امتيازًا لمجموعة محددة من المجتمع، وأن يُوضع وفق أهداف التعليم المستدامة، أي تعليم عادل، منصف، جيد، شامل، دامج لكل أبناء الوطن. بهذا المسار، سيكون قد تم وضع أساس قوي لبناء السودان وبناء الشخصية السودانية.

(*) ما هي أولوياتكم العاجلة كقيادة للجنة: الإغاثة، الدفاع عن الحقوق، أم إعادة تنظيم العملية التعليمية؟

الأولوية الآن هي الضغط على الجهات المختصة لضمان صرف مرتبات واستحقاقات المعلمين. وبالتوازي يجب العمل على تحسين ظروف المعلمين وحمايتهم من التدهور الاقتصادي الناتج عن الحرب.

إصلاح العملية التعليمية جزء أساسي من إصلاح السودان، وجزء من إصلاح الوطن والمواطنين، لأن التعليم يخاطب المستقبل، وتدميره يعني تدمير المستقبل. لذلك لا بد أن يكون التعليم في سلم الأولويات، ويُعطى المكانة التي يستحقها على مستوى الدولة.

في لجنة المعلمين، نرى أن إهمال التعليم أدى إلى ما نراه اليوم من تدهور في السودان، من حروب ونزاعات، وانتشار خطاب الكراهية والفرقة بين أبناء الوطن. هذا التدهور هو أحد نتائج انهيار المظومة التعليمية، وعدم مواكبتها لشروط التنمية ومتطلبات التماسك الاجتماعي بين السودانيين.

(*) كيف تتعاملون مع الانقسامات السياسية وتأثيرها على وحدة المعلمين ومطالبهم؟

تحاول لجنة المعلمين السودانية أن تكون محايدة في موضوع النزاعات الحالية والانقسامات السياسية. لكن هذا لا يعني أنها تتجاهل أي تأثير لهذه الانقسامات على المعلمين، فهي بالتأكيد تؤثر عليهم.

ومع ذلك، تتابع اللجنة باستمرار لضمان أن يكون أثر هذه الانقسامات محدودًا، وأن يبقى التعليم نفسه محايدًا عن الصراع، وقضايا المعلمين محمية عن أي تأثير ناتج عن الانقسامات السياسية.

(*) هل لديكم تواصل مع المنظمات الدولية أو نقابات التعليم في الخارج لدعم المعلمين السودانيين؟

نعم، لدينا تواصل مستمر مع المنظمات الدولية، خصوصًا اليونيسكو واليونيسيف، سواء مباشرة أو غير مباشرة، لمتابعة الأولويات المتعلقة بالتعليم ومواجهة تحديات الحرب. لقد استخدمنا اليونيسكو كمنصة لعرض قضايا المعلمين، وتواصلنا معها ضمن الخطة التعليمية في السودان، التي تمتد لمدة ثلاث سنوات وحظيت بدعم من المنظمة.

لقد حضرنا الاجتماعات الخاصة بالخطة وتعاملنا معها بشكل كامل، ورفعنا مذكرة توضح كيفية استمرار العملية التعليمية بشكل يحقق هدفين رئيسيين، مع مراعاة شرطين أساسيين: العدالة والشمول في التعليم.

(*) كيف ترون مستقبل النقابات التعليمية بعد الحرب؟

النقابات في السودان، والواقع الذي تشكّل بعد 13 أبريل، أظهر أن المعلمين أصبحوا محرّرين من القيود، وتم عرض النظام الوطني للمعلمين عليهم لفترة ثلاث سنوات. الآن، بسبب الحرب، ساهمت اللجنة مع آخرين في الدفع نحو تكوين نقابات المعلمين، وفقًا لأحكام اتفاقية رقم 87 من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، التي صدّق عليها السودان وأصبحت سارية منذ ذلك الوقت.

بعد توقف الحرب، ستستأنف الترتيبات لإنشاء نقابات المعلمين، بدءًا من نقابة الوحدة، وانتهاءً بالنقابات العاملة لجميع المراحل: الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، والتعليم الفني، بالإضافة إلى تشكيل اتحاد نقابات المعلمين بين هذه النقابات.

(*) ما الرسالة التي تودون توجيهها للمجتمع الدولي، وللمعلمين داخل السودان في هذه المرحلة الحرجة؟

رسالة للمعلمين: يجب أن يرفعوا صوتهم بالمطالبة بحقوقهم وبأهمية التعليم وجعله أولوية. هذه المسألة، على الرغم من الصعوبات والحرب الحالية، لا يجب أن تجعل أحد يتراجع عن المطالبة بحقوقه. لقد تحققت اختراقات كبيرة قبل الحرب، وكان من الممكن أن تتحقق اختراقات أكبر، وكل ذلك يعتمد على دعم المعلمين واستمرار رفع صوتهم والمطالبة بحقوقهم.

ندعو المجتمع الإقليمي والدولي إلى مساعدة السودان في إعادة بناء العملية التعليمية بطريقة أفضل مما كانت عليه قبل الحرب. الواقع الحالي الناجم عن آثار الحرب قد يبدو صعبًا على السودانيين وحدهم، لكن بالإرادة وبمساندة الأشقاء والأصدقاء من المعنيين الإقليميين والدوليين، وكذلك بمساعدة المنظمات العالمية والإقليمية والدولية المهتمة بالشأن التعليمي، يمكن تجاوز هذه التحديات وإعادة التعليم في السودان إلى مساره الطبيعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار