أصدر قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان قرارًا مفاجئًا بإعفاء محافظ بنك السودان المركزي، برعي الصديق علي أحمد، وتعيين آمنة ميرغني حسن التوم خلفًا له.
القرار لم يكن إداريًا محضًا، بل جاء في قلب صراع متشابك حول من يتحكّم في عصب الاقتصاد السوداني: الذهب. بين البرهان ووزير ماليته جبريل إبراهيم، وبين الجيش والحركات المسلحة، وبين بقايا تنظيمات إسلامية ظلت تبحث عن حصة في ثروة البلاد.
الصدام الحتمي:
خلال اجتماع لمجلس الوزراء حكومة بورتسودان، تمسّك المحافظ بضرورة أن يحتكر بنك السودان شراء وتصدير الذهب، التزامًا بتوصيات لجنة الطوارئ الاقتصادية، بينما دعم وزير المالية مقترحات تسمح للشركات الخاصة بالتصدير المباشر. انفجر الخلاف وغادر المحافظ غاضبًا، قبل أن يصدر قرار إقالته في اليوم التالي.
كان ذلك المشهد ذروة صراع اقتصادي ظل يتنامى في الخفاء منذ شهور، بين دعاة “التنظيم المركزي” للذهب، والمدافعين عن “السوق المفتوحة” التي يستفيد منها كبار المتنفذين.
الأرقام لا تكذب:
وفقًا للشركة السودانية للموارد المعدنية، بلغ إنتاج السودان من الذهب بين يناير وسبتمبر 2025 نحو 53 طنًا، بينما بلغت حصيلة الصادر الرسمي 909 ملايين دولار. لكن تقارير من مؤسسات مثل Swissaid وChatham House تؤكد أن ما يزيد على نصف الإنتاج الحقيقي يُهرّب إلى الخارج، خصوصًا عبر مصر ، حيث تُعاد تصدير كميات كبيرة خارج السجلات الرسمية.
شبكات الفساد:
يسيطر عدد من الفاعلين على سلسلة الذهب من التعدين إلى التصدير: • الجيش، ممثلًا في البرهان وشقيقه حسن، يسعى لاحتكار عائدات النقد الأجنبي. • الحركات المسلحة، وخصوصًا حركة العدل والمساواة بقيادة وزير المالية جبريل إبراهيم، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي؛ تدافع عن الشركات المملوكة لمقربين منها. • قوات الدعم السريع عبر شركات مثل الجنيد، تتحكم فعليًا في مناجم دارفور وجنوب كردفان. • تنظيم الإخوان، عبر رجال أعمال محسوبين على جناح علي كرتي، يسعى لاستعادة نفوذه المالي.
بهذا المشهد، يتحوّل الذهب من مورد وطني إلى غنيمة سياسية تتقاطع فيها المصالح العسكرية والتنظيمية.
إقالة المحافظ:
لم يكن برعي الصديق خارج هذا الصراع. فالرجل ذو خلفية مصرفية ذات امتداد تنظيمي، وتتهمه مصادر بأنه حاول عبر “حصر التصدير” أن يُمسك بزمام السوق لصالح تياره، لا لصالح الدولة.
وبينما يرى بعض المراقبين أنه حاول فرض الانضباط النقدي، يرى آخرون أنه أراد فقط إعادة توزيع الحصص بما يخدم جماعته داخل النظام المصرفي. إقالته إذًا لا تعني سقوط “النزيه بين الفاسدين”، بل سقوط لاعبٍ في لعبة أكبر.
استشراء الفساد:
غياب الشفافية والرقابة يجعل قطاع الذهب بيئة مثالية لتبييض الأموال وتمويل الحرب. التقارير تشير إلى أن معظم شركات التعدين التقليدي لا تخضع للمراجعة، وأن البيانات الرسمية حول الصادر لا تتطابق مع السجلات الدولية. وتتحدث تقارير إعلامية عن تهريب يومي يقدّر بعشرات الكيلوجرامات عبر مطارات إقليمية، وبتسهيلات من عناصر أمنية نافذة.
التداعيات والآثار:
تغيير قيادة البنك المركزي في هذا التوقيت يُربك السياسة النقدية ويعمّق أزمة الثقة في النظام المصرفي. كما يُتوقع أن يؤدي التراجع عن احتكار البنك لتصدير الذهب إلى توسّع السوق الموازية وارتفاع سعر الدولار، مع تقلص احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي. اقتصاديون يرون أن الصراع حول الذهب يهدد بانهيار ما تبقى من بنية الحكومة المالية، ما لم يُفرض نظام شفاف لتتبّع الإنتاج والتصدير.
إفراغ خزانة الدولة:
الحل لا يكمن في تبديل الأشخاص، بل في بناء مؤسسات رقابية تراقب كل جرام من الذهب المستخرج، ومراجعة تراخيص الشركات، وإعلان تقارير ربع سنوية عن الصادر والإيرادات. كذلك، لا بد من إخضاع القطاع لتشريعات واضحة تفصل بين العسكري والاقتصادي، وتعيد الذهب إلى خزانة الدولة لا إلى حسابات المتنفذين.
جوهر الأزمة:
إقالة محافظ بنك السودان تكشف جوهر الأزمة، ذهب بلا ميزان. صراعٌ على الموارد بين جنرالاتٍ وتجار حرب وتنظيماتٍ قديمة تتقاسم الثروة فيما يزداد الفقر بين الناس. الذهب الذي كان يمكن أن يكون طوق نجاة، صار وقودًا لحربٍ لا تبقي ولا تذر. وما لم تُكسر هذه الحلقة، سيظل السودان يحفر في مناجمه بحثًا عن خلاصٍ يزداد بريقه بُعدًا كل يوم.