السودان

منعم سليمان يكتب: ما فعله العيّان مع الميّت؟!

بقلم: منعم سليمان

لم يكن المشهد الذي بثته وكالة السودان للأنباء الرسمية (سونا) أمس، وهي تعيد وترسخ صورة الذل التي ما فتئ العسكري العميل الذليل البرهان يحاول أن يلصقها ببلاده وشعبه، سوى ذروة جديدة في مسرح البؤس السياسي السوداني.

صورة رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، كامل إدريس (كميل إدرس)، في قلب أسمرا، وهو يهتف بصوت مرتجف ومتحمس للديكتاتور الإريتري: “عاش الرئيس أسياس أفورقي!”، كأنه مندوب دعاية في مهرجان للولاء السياسي الرخيص، لا رجل دولة يُفترض به الحفاظ على هيبة وكرامة سلطته وبلده ونفسه. كانت الصورة التي لم يأتِ بها الأذلاء الأولون ولن يأتي بمثلها الآخرون، حتى بدا على الديكتاتور “أسياس” نفسه شيء من الصدمة، كمن فوجئ بأن الزائر قد بالغ في خضوعه إلى حد لا يُطاق!

كان المشهد رثًا وبذيئًا إلى حد يثير الأسى والألم؛ صورة لرئيس وزراء حكومة تبحث عن اعتراف وشرعية خارجية لم تجدها عند شعبها الذي انقلبت عليه، يُمرغ أنف هيبة بلاده في تراب أسمرا، متجاوزًا أبسط الأعراف الدبلوماسية، ليحوّل زيارة عادية لدولة جارة إلى وصمة في جبين السياسة السودانية!

لم يكن هتاف الرجل المأفون سوى إعلانًا رمزياً عن موقع بورتسودان في خارطة النفوذ الإقليمي: حكومة تبحث عن سند، فتقدّم الخضوع والخنوع والولاء مجانًا حتى لمن لا يطلبه.

أما الاتفاقيات التي خرج بها كميل من تلك الزيارة الذليلة، التي تروّج لها (سونا) للتغطية على الفضيحة – وهذا هو موضوعنا – فقد كانت على قدر الهتاف تفاهة وهشاشة: لجان سياسية واقتصادية وهمية، ومشروعات “مصائد بحرية” و”مصافٍ للذهب والنفط”، وعبارات مطاطة عن “التعاون الأمني والاستخباراتي” و”العودة إلى الاتحاد الأفريقي”.

كلها وعود وهمية فضفاضة لن تحدث؛ لن تُبرئ ذمة، ولا تساوي صرخة الذل التي هتف بها المأفون، لأن من يوقّعها لا يملك سلطة الفعل، ومن يقابله في أسمرا لا يملك سوى سلطة القمع!

كانت الزيارة برمتها أشبه بطلب (عيّان) يتعرض لنزيفٍ حاد لدمٍ من ميّت!

إريتريا، تلك الدولة المظلمة التي يقودها الديكتاتور الدموي العجوز أسياس أفورقي منذ أكثر من ثلاثة عقود، ليس لديها ما تقدمه سوى تعاليم الموت والانغلاق والقبضة الحديدية. أما سلطة بورتسودان، فما هي إلا عصبة عسكرية/كيزانية مارقة تبحث عن شرعية بأي ثمن.

تلك اللحظة، حين هتف كامل إدريس “عاش الرئيس أسياس”، كانت أكثر من سقطة شخصية أو بروتوكولية، كما يحاول أنصار “حرب إزهاق الكرامة ” تصويرها؛ كانت إعلانًا رمزيًا عن تهاوي ما تبقى من الكبرياء الوطني، وعن انعدام الوطنية وضياع كرامة السودان المفترى عليها.

مشهد وطني فضائحي سيبقى محفورًا في الذاكرة السودانية، مؤرِّخًا لفترة هي الأكثر انحطاطًا في تاريخ السودان الحديث، يختصر المأساة الماثلة: حين يهتف “رئيس حكومة” باسم طاغية غريب، بينما وطنه الغارق في الدم ينتظر من يهتف لأجله وينتشله من الضياع!

عاش الرئيس أسياس .. وسقطت الكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار