ها هي العدالة، وإن جاءت بعد حين، تُطلّ من شرفة التاريخ لتقول كلمتها: إن الدم لا يضيع، وإن أنين القتلى في رمقهم الأخير لا يُنسى، وإن الأرض التي شربت من الظلم لا تهدأ حتى تُروى بالعدل، وأن جراح الضحايا فَمٌ.
أمس أدانت المحكمة الجنائية الدولية مجرم الحرب علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بـ “كوشيب”، في ثمانٍ وعشرين تهمة من أصل إحدى وثلاثين، لتضع أول حجر في صرح العدالة المؤجَّل منذ أن بدأت الإبادة الجماعية في دارفور وبلغت ذروتها في العامين الأسودين 2003 و2004.
غير أن هذا الحكم، وإن بدا ختام فصلٍ، فإنه في الحقيقة فاتحة كتابٍ جديد. فالعدالة لن تقف عند حدود المجرم كوشيب وحده، بل ستمتد يدها، لا ريب، إلى كل من تلطخت أياديهم بالدماء، وإلى كل من حمى المجرمين وأوصد الأبواب في وجه العدالة.
والقضية المعروضة أمام محكمة العالم اليوم ليست قضيةً فردية تتعلق بمجرمٍ واحد، بل عن منظومةٍ كاملةٍ من الجريمة، عن دولةٍ سُرِقَت ودُمِّرت، وعن جيشٍ انقلب على وطنٍ وشعبٍ، وعن حركةٍ تلبّست بالدين لتبرّر القتل والتعذيب والاغتصاب والتشريد.
إنَّ حكم المحكمة أمس لم يكن إدانةً لفردٍ واحدٍ، إنما كان إدانةً لنظامٍ إجراميٍّ كاملٍ؛ أصغر ما فيه هو المجرم الذي كان ماثلًا أمام المحكمة.
إنها تعريةٌ وإدانةٌ لحقبةٍ زمنيةٍ متوحشةٍ هي الأسوأ في تاريخ القارة الإفريقية، امتدت لثلاثة عقودٍ من الجريمة المتزَيِّئة بلبوس الدين!
لقد كان كوشيب مجرمًا دمويًّا مأجورًا، وقاتلًا متسلسلًا، وذراعًا من أذرع الشر، لكنه لم يكن رأسَ الشر؛ فالرؤوس لا تزال طليقة، تستظلّ بالحماية التي يقدمها لهم عبد الفتاح البرهان، ذلك الخائن الذي أتته فرصةٌ تاريخيةٌ لم تتوفر لغيره في كل تاريخ السودان، ولكن جينات الجريمة والتربية في مخادع السوء ومراتع الفساد دومًا هي الغالبة!
ولم يكن حكم المحكمة حكمًا على قاتلٍ مقبوضٍ وقتلةٍ آخرين فارّين فقط، بل كان رسالةً واضحة، موجَّهة إلى الذين يديرون حرب الإبادة الحالية ضد الشعب السوداني، التي تُدار باسم السيادة والدين والوطن، بينما تُقصف المدن بالمسيرات، وتُغتال الطفولة في المنازل، وتُقطع الرقاب وتُجزّ الأعناق في الشوارع، وتُحرَق الأسواق والقرى على ساكنيها.
وهي رسالة إلى أولئك الذين سمّموا الهواء والبيوت والحرث والنسل بالكيماوي، والذين لن يجدوا في نهاية الطريق سوى سُمِّ أعمالِهم يرتدّ إليهم، وسيسطر التاريخ إدانتهم بما لم تنطق به ألسنة القهر ولا نيران طائراتِهم ومسيراتِهم وبنادقِهم.
إن العدالة، مهما عُرقلت خطاها بالانقلابات والدبابات، ستصل إلى وجهتها النهائية، طال الزمن أم قَصُر.
نعم، قد تتعثّر العدالة في دهاليز السياسة، وقد يؤخرها تواطؤ الخونة من العسكر في الداخل والمتربصين بالبلاد في الخارج، لكنها حتماً تسير بثبات نحو يومها الموعود، وتُساق كل الأسماء الإجرامية الثقيلة: عمر البشير، أحمد هارون، عبد الرحيم حسين، علي عثمان، علي كرتي، وغيرهم من القتلة والمجرمين، القُدامى والحاليين، وهم سواء، وكل من آواهم وأعانهم وحماهم.
اليوم، تنفض دارفور رمادها، وتتنفّس أول خيطٍ من ضوءٍ بعد عقدين من العتمة. إن الحكم على المجرم كوشيب ليس نهاية الحكاية، بل بداية النهاية لكل طاغيةٍ ظنّ أن الإفلات من العقاب قدرٌ محتوم؛ فالعدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت.
قريبًا، جدًّا، سيأتي اليوم الذي تُفتح فيه سجلاتُ الدم صفحةً بعد صفحة، القديمة والجديدة، ليُكتب في نهايتها: أن هذا الشعب، وإن أُنهك، لن يُهزم، وأن من قتلوه وخانوه بالأمس سيُحاسبون غدًا، وأن العدالة، وإن أتت على مهلٍ، ستأتي كالطوفان؛ لتقتلع المجرمين الحالمين بالسلطة على جثث السودانيين، وأوّلهم: *البرهان*.