ما أشبه الليلة بالبارحة! كأنما قُدِّر للسودان أن يظل أضحوكة بين الأمم، تتبدّل فيها الأسماء والوجوه، بينما تبقى السذاجة والوقاحة على حالها.
في صيف 2016 خرج المعزول عمر البشير على الملأ رافعاً قميصاً موهوماً زعمت نصابة إنجليزية تُدعى *أليسا بلاسكو* أنها وكيلة النجم العالمي الأرجنتيني *ليونيل ميسي*، وقدّمته له في قصره كأنما هو جسر إلى المجد. فطلّ مبتسماً، متباهياً بالقميص، ليُوهم شعباً مثخناً بالجراح أن العالم يفتح له ذراعيه.
لكن لم يطل الانتظار حتى سقط القناع؛ إذ سارع اللاعب وممثلوه إلى إصدار بيان قاطع ينفون فيه صلتهم بالسيدة المزعومة، فانهار المشهد إلى فضيحة صاخبة، أضافت إلى رصيد الهوان لرجلٍ مطاردٍ في لاهاي.
وها هو التاريخ يعيد نفسه اليوم في نسخة أشد ابتذالاً؛ إذ يطل علينا *كامل إدريس* – كميل إدرس- متكئاً على سلطة انقلابية منبوذة على ساحل البحر الأحمر، لا تعترف بها عين في العالم، تحرسه جوقة من الإسلاميين المعزولين عن الزمان والمكان. ليعيد المشهد بكل مآسيه وسخريته، محاولاً استعارة وهجٍ زائف من الخارج، فإذا به يستجلب نصابة جديدة أخرى ، أمريكية هذه المرة، تدعى *جانيت مك إليغوت*.
امرأة مضطربة، لا ميراث لها سوى الإدمان والخيبة، تنفخ فيها آلة الدعاية الكيزانية أرواحاً من الكذب، فتصنعها تارة “خبيرة في الشؤون السودانية”، وتارة “موظفة سابقة بالبيت الأبيض”، وأخرى “ضابطة استخبارات متقاعدة”… ألقاب تتساقط كالأقنعة في مسرحية رخيصة، لا يبتسم لها إلا السذج ولا يصفق لها إلا الغارقون في الوهم!
وأمس تجلّت المهزلة في ذروتها، حين كتبت النصابة جانيت، وقد غمرتها النشوة مع رفيقها في الوهم، أنها “تشرفت بلقاء رئيس وزراء السودان كميل إدريس في نيويورك”! وظهرا معاً في صورة كاريكاتورية: بدا فيها منتشياً كأنه يجالس سوزان رايس أو سامنثا باور، لا منحرفة ونصّابة، وبدت هي كأنها تعانق مانديلا أو ديغول، لا رجلاً واهناً يتربع على سلطة انقلابية منفية في بورتسودان، لا يعترف بها أحد ولا يفتح لها باب في هذا العالم.
إنه مشهد مضحك مبكٍ، يقف فيه إدريس ممثلاً بائساً لدور بائد: طاغية يستند إلى الكذب والتمثيل، ويستجدي شرعيةً ضائعة من نصّابة عابرة!
إنه المشهد ذاته يتكرر: أمس عمر البشير يرفع قميصاً موهوماً أمام الكاميرات، واليوم كميل إدريس يبتسم أمام امرأة نصابة لا علاقة لها بعوالم السياسة، ليس لها وجود سوى في ليل نيويورك!
كلاهما يبحث عن “نافذة على العالم”، فإذا بالنافذة كُوَّة ضيقة تفضحهم وتزيد من عزلتهم. وما بين النصابتين – أليسا وجانيت – تاريخ كامل من الاحتيال السياسي والضحك على العقول، تاريخ لا يليق إلا بالكيزان ومسرحهم الكاريكاتوري.
إنها كوميديا سوداء، حيث يجتمع الغباء والاحتيال في سلطة واحدة. سلطة لم تفهم بعد أن العالم لا يُخدع بقميص ميسي ولا بهذيان جانيت، وأن شرعيتها لا تُستمد من كذبة تُساق عبر صحيفة أو شاشة، بل من شعب يرفضها، ومن دماء لا تنساها.
هكذا يتهافت كامل إدريس على بقايا الأكاذيب، مستعيداً ذات النهج الذي أسقط سيده القديم: التمثيل الرخيص، الاستعانة بالنصابات، وتزييف الوعي.
ما أشبه الليلة بالبارحة، غير أن الفرق أن البارحة كانت فضيحة، أما الليلة فهي مهزلة .. *مهزلة مكتملة الأركان*!