خارطة الطريق التي دفعتها “الرباعية” (أميركا، السعودية، الإمارات، مصر) لإيقاف الحرب في السودان تبدو على الورق خطة متوازنة ، “هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، ثم وقف دائم لإطلاق النار، تليه مرحلة انتقالية تنتهي بحكومة مدنية خلال تسعة أشهر”. لكنّ الخطر الحقيقي الذي يهدد هذه العملية لا يكمن فقط في تعقيدات الحرب، بل في احتمال اختراق المفاوضات من قبل جماعة الإخوان المسلمين، التي ما تزال تملك أدوات نافذة داخل سلطة بورتسودان.
الكيزان هم المستفيد الأول من استمرار الحرب أو حتى من عملية سلام شكلية لا تُفضي إلى تغيير حقيقي. وجودهم في مفاصل السلطة الانتقالية بالشرق، وتحكمهم في القرار السياسي والأمني، يمنحهم قدرة عالية على الالتفاف على أي مبادرة دولية.
الأخطر من ذلك أنّ تحالفاتهم مع “الكتلة الديمقراطية” – خاصة عبر الحركات المسلحة مثل جبريل إبراهيم، مني أركو مناوي، مالك عقار، وتمبور – تفتح أمامهم أبواب المشاركة غير المباشرة في أي تسوية مرتقبة.
التاريخ القريب يوضح نواياهم، فالتوم هجو، أحد رموز الكتلة الديمقراطية، كان يهتف جهارًا أمام القصر الجمهوري مطالبًا البرهان بالإسراع في إعلان البيان الانقلابي في أكتوبر 2021. تلك الواقعة تفضح بجلاء موقع هذا التحالف ضمن المشروع الانقلابي للإخوان. واليوم، وهم يحاولون إعادة تدوير أنفسهم تحت لافتات سياسية جديدة، يطمحون لاختطاف مسار أديس أبابا كما اختطفوا ثورات سابقة.
التحدي أمام الرباعية والاتحاد الأفريقي وإيغاد، لا يقتصر على إدارة التفاوض، بل يتطلب “غربلة دقيقة” لقوائم المشاركين، وفحص خلفياتهم وتحالفاتهم. أي تساهل في هذا الجانب سيقود إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، عبر تسوية تمنح الشرعية لذات القوى التي صنعت الانقلاب وقادت السودان إلى الحرب.
المعادلة واضحة؛ إذا نجح الكيزان في اختراق المفاوضات، فإن “سلام أديس” سيتحول إلى مجرد محطة لالتقاط الأنفاس قبل جولة صراع جديدة، لا إلى مدخل لاستقرار حقيقي. أما إذا تمكنت الرباعية من فرض استبعادهم فعليًا، فإن العملية الانتقالية قد تشكل فرصة نادرة لإعادة السودان إلى مساره المدني، بعيدًا عن هيمنة الإسلام السياسي وتحالفاته المسلحة.
اللحظة الراهنة حساسة، والسؤال الكبير أمام الفاعلين الدوليين؛ هل يتعلمون من دروس الماضي أم يكررون الأخطاء نفسها، بتمكين جماعة ارهابية ترفع شعار: نحن أو لا سودان!