لستُ من روّاد شاشة قناة “العربية” ولا من المولعين بفرعها “الحدث”، وقناعتي الكاملة أنّ تغطيتهما للحرب في السودان لا تختلف عن تغطية “قناة الجزيرة”، تلك القناة المنحازة دوماً لمعسكر الكيزان،كانوا في السودان أم في أفغانستان!
وإذا كان الانحياز قدراً لهذه القنوات، فالجزيرة لم تُخفِ يوماً أنها تأسست لرعاية الإسلام السياسي. غير أن العجب كل العجب أن تلتحق (العربية) بمصائر كهذه. لكن، ومهما يكن من أمر، فإن خصومة أيٍّ كان مع خط تحرير أي وسيلة إعلامية لا تبرّر البتة إغلاق مكاتبها أو ملاحقة مراسليها، بل هي جريمة لا يجوز السكوت عليها.
قرار سلطة بورتسودان بإيقاف لينا يعقوب، مديرة مكتبي العربية والحدث، لم يكن سوى ردّة فعل هستيرية على تقرير نشرته كشف عن مكان تواجد عمر البشير، المخلوع الهارب من السجن الداخلي والمطارد دولياً.
ولو كان تقرير “العربية” خيالاً زائلاً، لاكتفت الوزارة ببيان باهت من بياناتها الماسخة الكثيرة، لكنها تدرك – تمام الإدراك- أنّ القناة *عصيّة على المنع*، لذا صبّت نقمتها على مديرة مكتبها، كمن يطعن الظلَّ خوفاً من غضبة (الفيل)!
تقرير عادي، بل أقل من عادي، في صميم عمل الصحافة، لكنه في نظر الكيزان من أسرار دولتهم العليا، لأن مجرّد ذكر البشير يفضح هيمنتهم ويستحضر جرائمهم.
هنا تنكشف الحقيقة ويتأكد المؤكَّد: إن سلطة بورتسودان ليست سوى سلطة كاملة وشاملة للإسلاميين من أعلاها إلى أسفلها – وأسفلها وسافلها هو البرهان، لمن لا يعلم.
أما بيان المنع الذي أصدرته وزارتهم التي تحمل اسم الإعلام، فكان فضيحة تُدين الوزارة قبل أن تُدين الصحفية، إذ يكشف جهلاً مركّباً بأبجديات العمل الإعلامي.
اتهامات مكرورة عن “مصادر مجهولة” و “تقارير غير مهنية” بلا معيار أو دليل ولا جهة محايدة.
والأدهى أنهم يتبجّحون بالمعايير الصحفية المهنية فيما يكشفون جهلاً مريعاً بأبجديات المعايير الدولية للمهنة، المتمثلة في مدونة أخلاقيات الصحفيين والمبادئ المنظمة للمهنة دولياً، بل يهدمون جوهرها: أنّ محاسبة الصحفيين لا تكون بقرارات حكومية، ناهيك عن كونها صادرة عن سلطة انقلابية قمعية غير شرعية، بل تتم عبر قضاء مستقل وهيئات حرة.
ثم لماذا كل هذا البيان الطويل العريض؟ فمن هو ذلك المجنون الذي يصدّق أن سلطة تذبح وتقطع الرؤوس وتجزّ الأعناق باسم السماء وهي تهتف “الله أكبر”، يمكن أن تحترم الكلمة، أو تتقيد بحدود قانون وضعته الأرض، إعلامياً كان أم إنسانياً؟!
الفضيحة ليست في قمع صحفية فحسب، بل في ما يكشفه القمع: أنّ البشير ومن معه من رموزهم المجرمين المطلوبين للعدالة الدولية ما زالوا يتصدرون المشهد، يقفون فوق القانون وفوق دماء ضحاياهم. وما زالوا محور الولاء والسر الأعلى في بورتسودان، وأنّ أي كشف عن مكانه يزلزل عروش المتسلطين!
أيّ أمن هذا الذي يتحدثون عنه حتى يُصان؟ أمن السودان أم أمن المخلوع؟ أمن الوطن أم أمن التنظيم الإجرامي الذي سرق الوطن مرتين: مرّة بالانقلاب ومرّة بالحرب؟!
إنّ قرار إيقاف مديرة مكتب قناة العربية في بورتسودان ليس له علاقة بالمهنية ولا بالإعلام، بل بالخوف: خوف سلطة تعرف أنها غير شرعية وواجهة لتنظيم إجرامي عابر للحدود، لا تملك من رصيد سوى بنادقها. لذلك تضيق بفضح سرّها، لا لأنه يهدّد السلطة، بل لأنه يهدّد أكذوبة السلطة التي تقوم عليها الدولة المتأسسة سرّاً.
إنهم قتلة ومجرمون يحاولون إخفاء جثّة رآها العالم وظهرت ملامحها *- يا لبؤسهم!*