ما أقسى أن تُدار أمة تنزف بوساوس رجلٍ تائه، ينثر الأكاذيب نثر الواعظ المفلس، ويُبدّل الخراب بالسراب. فما بثّته قناة “الحدث” بالأمس لم يكن حواراً سياسياً، بل اعترافاً علنياً بهذيانٍ لا يليق إلا بالمصحات، لا بمقامات الدول.
لقد تجسّد هذا الموت البطيء للوعي حين أطلّ علينا “كميل إدريس”، رئيس وزراء سلطة الأمر الواقع في بورتسودان. لم يكن حواراً سياسياً، ولا حتى خطاباً يمكن نقده أو مناقشته؛ كان حفلة من الأكاذيب والهذيانات، مزيجاً من ضلالات الشيخوخة وخدع الطغاة، تثير الضحك أولاً ثم تستحضر الغصّة والألم.
بدا حديثه قائلاً إنه مستعد للاستقالة إذا تخلّى عنه الشعب! أيُّ جنون هذا؟ وأيُّ شعبٍ يقصد؟ وهل جاء أصلاً بانتخاب حرّ أو تفويض شعبي؟ أليس مجرد دمية خشبية أخرجها البرهان من خزانة الانقلاب، وعلّقها بخيطٍ في مسرح الدم، ليخفي وراءها وجوه العسكر والكيزان؟!
أيُّ وَهْم يجعله يتوهّم حبّ الناس وهو لا يملك من الشرعية سوى ما تمنحه دبابات البرهان ورصاص الكيزان؟!
ثم بلغ الهذيان ذروته حين تحدّث عن “المعاينات الشخصية” التي أجراها لاختيار الوزراء، بمشاركة (العلماء!) مع أن راعي الضأن في الخلاء يعلم أن ما يُسمّى حكومة نصفها أتى به البرهان والكيزان، والنصف الآخر نصيب مرتزقة ما يسمى بالقوات المشتركة نظير مشاركتهم في الحرب!
قال علماء؟ علماء في ماذا؟ في علم الفساد؟ أم في صناعة الدمى الورقية؟
هل يُعقل أن يكون خالد الأعيسر، ذلك الفاقد التربوي والأخلاقي الذي حوّل الإعلام إلى مهاترات رخيصة، أو نور الدين طه، تلك الجثة المجردة من كل قيمة وفضيلة، المتسرع في نهب الذهب والفضة ببرودة لصٍّ في الليل، نتاجَ اختيار علماء؟!
إن كان هؤلاء ثمرة العلم، فما قيمة الجهل إذن؟!
ويزداد المشهد سخرية حين يضع الرجل هالة من القداسة على نفسه، مدّعياً أنه يعمل “لله والوطن” دون أجر. لكن الأرقام تفضح الأكاذيب: خمسة وستون ألف دولار شهرياً فقط لسكنه، في بلدٍ يموت فيه الفقراء وهم يتسوّلون رغيفاً يابساً.
أليس هذا أشبه بمشهد من الكوميديا السوداء: رجلٌ يزعم التضحية بينما ينفق على رفاهيته الملايين، وحوله وطن ينزف جوعاً وفقراً ومرضاً وموتاً؟!
الحوار، في جوهره، لم يكن سوى فقرة كوميدية سخيفة ورديئة الإخراج، لكنها تفضح ما هو أعمق من هذيان رجلٍ على مشارف أرذل العمر؛ إنها تكشف الجبَّ العميق الذي سقطت فيه بلادنا. فحين يغيب مشروع الدولة، ويُجهض حلم الثورة، ويُقتل العقل الجمعي برصاص الانقلاب، لا يبقى سوى العبث: سلطة تصنع أوهامها، وعجوز ذهاني يتوهّم الشرعية، بينما الحقيقة الوحيدة هي الخراب!
أضحكني الرجل أمس حدّ القهقهة، لكنه كان ضحكاً مُرّاً. فالهزل في بورتسودان ليس فناً أدبياً ولا تنفيساً شعبياً، بل مأساة تتنكر في ثياب كوميديا.
مأساة وطن يُدار بأكاذيب من يظن نفسه حاكماً، بينما هو مجرد مهرّج في سيرك دموي، ينهار فوق رؤوسنا جميعاً.