رحاب مبارك سيداحمد - عضوة المكتب التنفيذي لمحامي الطواري
تقرير: رحاب مبارك سيداحمد – عضوة المكتب التنفيذي لمحامي الطواري
7 سبتمبر 2025
تعرف مدينة نيالا بأنها مدينة تقع في موقع حيوي في غرب السودان، لما يوجد بها من تطور في البنية التحتية، وفي خدمات العلاج والصحة والتعليم، وأيضاً جميع الخدمات، وكافة مستلزمات الحياة اليومية. وتسكن بالمدينة العديد من قبائل غرب السودان كما يوجد بها سكان من الوسط والشمال ما جعل مدينة نيالا امتداد للروابط الاجتماعية السودانية من مصاهرة وزواج .
استهدف طيران الجيش السوداني مدينة نيالا عشرات المرات، وهذه الطلعات الاسبوعية لطيران الجيش جعلت المدينة بالونة تلوث كبيرة تصعب الحياة بداخلها، بسبب الاختناقات وضيق التنفس والالتهابات الصدرية، وانتشار امراض الربو والتسلخات، بسبب استخدام الجيش لغاز الكلور الكيميائي في المدينة كسلاح، ما أدى لانتشار واسع لظواهر تلوث بيئي، أثر على حياة المدنين، وجعل حياتهم جحيماً بداخلها.
أولاً: افادات من الميدان حول استخدام السلاح الكميائي في نيالا:
(ح،م) محامي سوداني وصل إلي نيالا في١٧ اكتوبر ٢٠٢٤ بعد أن خرج من امدرمان، مدينته التي يعيش ويعمل بها كمحام منذ عشرات السنين، حيث تحرك منها بصحبه أُسرته خوفاً على نفسه وأسرته من الاعتقال والتعذيب بعد انتشار خطاب الكراهية الأخير، باتهام الكثير من أبناء بعض القبائل، بأنهم “حواضن” للدعم السريع، خصوصاً وأنه ينتمي إلي قبيلة (الفولاني) المعروفة، الممتدة والمنتشرة في بارا ونيالا، وغيرها من مدن غرب السودان.
و(ح.ع) أصلاً من أبناء منطقة الحلفايا بالخرطوم بحري، درس المرحلة المتوسطة في مدرسة شمبات الغربية، ودرس الثانوي من مدرسة ود السايح بشمبات، والتحق بجامعة امدرمان الاسلامية “شريعة وقانون”، وتخرج منها وتزوج واستقر بأمدرمان ممارساً لعمله بمهنة المحاماة، بينما ظلت اسرته الكبيرة بالحلفايا.
سافر (ح.ع) الي مدينة نيالا عن طريق شارع الصادرات، بعد أن تحرك من أمدرمان عبره حتى وصل الي مدينة بارا، ثم غرب الأبيض فالدبيبات وأبو زبد، وصولاً إلى الضعين، ومن بعدها الي نيالا التي يقيم فيها نازخا اقامة مؤقته وسط اهله واقاربه.
ذكر (ح.ع) أنه وطيلة السفر في الطريق، كان توجد مظاهر الخراب التي افرزتها الحرب، ولكن اكثر الخراب والدمار كان في مدينة “الفولة”، التي قضي بها يومين في الموقف العام، في انتظار العربة التي ستقلهم إلى الضعين، وإن القصف بالطيران تسبب في تدمير كبير في البنية التحتية، خصوصاً في مباني قشلاق الشرطة بالفولة. أما أكثر الأماكن تضرراً بقصف الطيران في الضعين بعدما وصل اليها، فكانت في منطقة البورصة وسوق البروش.
وواصل ( ح.ع) سرده وقال انهم حين وصلو نيالا، فوجئو بحجم الدمار الكبير في المدينة، خصوصاً على مستوي البنية التحتية، وبعد أن استقر بالمدينة، بدأ في تقديم واجب العزاء في أهله ومعارفه الذين قتلو في هذه الحرب الملعونة، والذين وصل عددهم لقرابة الأربعين.
ولاحظ (ح.ع) أن الجميع مصاب بالتهابات العين في بيوت العزاءات التي يزوها، وأن الأغلبية من النساء والرجال يضعون النظارات والمناديل في أعينهم، بعد إصابتهم بالتهابات حادة فيها، مسببة لهم احمراراً تصحبه الآلام الشديدة في العينين، وسيلان غزير للدموع، مع استخدام دائم للنظارات السوداء، التي تمنع عنهم مواجهة الضوء المباشر.
ثانيا:- الحالات الصحية للنساء والاطفال:
وضح (ح.ع) أن الشكاوي المتزايدة في منطقته وفي معسكر (عطاش) الذي زاره ليقابل بعض معارفه من الإجهاضات في اوساط النساء، والتي وصلت إلى مئة حالة إجهاض في الشهر الواحد، وإن زوجته حالياً، تعاني من النزيف المتواصل من الرحم. وأضاف: “العديد من الاطفال ولدو بتشوهات خلقية واضحة مثل الطفل الذي ولد لقريبي المهندس (م .. ص)، والحبل السري ليس في موقعة في وسط البطن ( السرة)، وإنما موجود بجانب أقرب إلى كليته اليمني (أرسل لي فيديو مصور يوضح حالة الطفل سأقدمه ضمن المستندات والصور للجهات صاحبة الاختصاص)، والطفل مازال حي يرزق.
كما ولد طفل اخر بحي( الجير) بمدينة نيالا باستطاله واضحة في الراس (راسه يشبه شكل البرطمان)، بدلاً أن يكون كروياً، وكذلك هذا الطفل حي يرزق.
ولاحظ (ح.ع) إن الأهالي في نيالا يتعاملون مع ظاهرة التشوهات الخلقية بالخجل والاستحياء، ويقومون بتخبئة اطفالهم المشوهين من الأنظار، علي نسق وصمة العار (stigma) التي تصاحب جريمة الاغتصاب، وأن القليل من المتعلمين فقط، هم الذين يتحدثون عن التشوهات الخلقية، بوصفها جريمة حرب ارتكبت في حق اطفالهم.
ثالثا:- انتشار امراض الالتهابات الصدرية والكحة والربو:
وطيلة فترة حديثي مع (ح، ع)، لاحظت إنه مصاب بالتهاب رئوي حاد، وإنه يعاني أثناء التحدث من ضيق في التنفس بسبب الكحة، ويستأذنني كل مرة ليذهب إلى الحمام، ويقوم بتنظيف اغشيته التنفسية التي يخرج (المخاط) منها في شكل مادة لزجة مطاطية بيضاء شبيهة بمادة (السيلكون)، وذكر لي بأنه مصاب بالإعياء الشديد والفتور في الجسم، وإنه ظل يستخدم الفايتمينات يومياً، لكن دون فائدة.
وقال (ح،ع)، إن صديقة وجاره (ي،.ح) الذي يجالسه يومياً مصاب بنفس الأعراض، بعد ان صاحبه المرض لأكثر من سبعة أشهر، ولم ينتهي منه حتى الآن. وكذلك خالته (ف.ط.ا) التي ظلت تعاني من الربو الشديد، بعد أن تخلصت منه في السنوات السابقة، وحتي في السابق كان يلازمها في وقت الخريف فقط، أما الآن فهي تلازم السرير طول اليوم، بسبب المرض الذي لايشفى أبداً.
رابعا:- الفحص الذي أجري على ملابس المصابين بالاختناق الذين يصلون الي مشافي نيالا:
ذكر الطبيب (ع.أ.ك) الذي يعمل بالمستشفي التركي، أنهم يجردون الحالات التي تصلهم بالاختناق داخل مشافي التركي والايطالي من ملابسهم، ويقومون بحفظها داخل أكياس بلاستيكية، ويرسلون عينات الملابس إلى المعامل، بعد أن وجدوا تسلخات في الجلد في أجساد الحالات التي تصلهم بعد القصف مباشرة، وأن المعامل أفادتهم بعد الفحص، بأن الموجود على ملابس المرضي هو غاز الكلور الكميائي، السلاح المحرم دولياً.
إن ما حدث في نيالا هو جرائم حرب، وجرائم ضد الانسانية مكتملة الأركان، استخدم فيها الجيش السوداني الأسلحة المميتة والمحرمة دولياً، واستهدف بها قطاع واسع من المدنيين الذين يقيمون بمدينة نيالا بدوافع عنصرية بغيضة تنسب فيها هؤلاء العزل للدعم السريع، في حرب أهلية تفتقر لكل معايير الاخلاق والقانون، جلبت الضرر علي كل الشعب السوداني.