السودان

منعم سليمان يكتب: الجوع يهيننا .. لا يكسرنا

بقلم: منعم سليمان

أدمعت عيناي، والله، وأنا أشاهد أمس مقطع فيديو يُظهر سودانيين وسودانيات وهم يتدافعون أمام إحدى البوابات في القاهرة، يتسابقون من أجل بطاقة غذائية تقدّمها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لا تتجاوز قيمتها خمسةً وعشرين دولاراً للأسرة الواحدة في الشهر.

سقطت النساء أرضاً، وارتفعت الصرخات، وتحوّل المكان إلى ساحة هرج ومرج. كانت الأقدام تدوس أجساداً أنهكها النزوح والجوع، ما اضطر المفوضية إلى إعلان توقّف توزيع بطاقات شراء الغذاء خوفاً من الموت وسط الزحام.

ذلك المشهد المؤلم المبكي لم يكن حادثة عابرة؛ بل كان صورة مكثفة لسحق كرامة السودانيين في الداخل والخارج في حرب العودة للحكم، صورة تختصر كيف يُهان شعب عظيم تحت سيف الجوع والخذلان من أجل أن يعود الكيزان ويحكم البرهان!

أيُّ كرامة تبقى حين يُشرَّد السودانيون من وطنهم ويهيمون في الأرض لاجئين جوعى، يقفون منذ الفجر في صفوف الذل بحثاً عن لقمة تسند جوع أطفالهم؟ وأيُّ كرامة يمكن الحديث عنها، بينما يتسابق شعب كريم عظيم وراء بطاقة جوع لا تكفي إلا لشراء الفتات؟

المشهد كله يصرخ بحقيقة واحدة: كرامة السودانيين تُسحق اليوم في الداخل والخارج، في معسكرات النزوح وفي شوارع الغربة، بينما الذين أشعلوا نار الحرب يواصلون تضليلهم البائس، ويسمون حربهم القذرة حرب الكرامة، فيما الكرامة الحقيقية تُسحق أمام عتبات الذل تحت أقدام الجائعين!

اختطفت الحركة الإسلامية قيادة الجيش وقراره، فأصبح جيشاً باطلاً يحارب من أجل أن يعودوا هم إلى السلطة، لا من أجل كرامة السودانيين. وما يزالون يقودونه، فيرفض كل نداءات السلام ووقف الحرب!

يقول قائد الجيش متحجّر القلب، منعدم الضمير: “لن يكون سلام إلا بعد اجتثاث المليشيا”- في إشارة إلى قوات الدعم السريع. لكن الحقيقة التي لا يجرؤ على قولها هي أنه لن يكون سلاماً لا يضمن عودة الكيزان إلى السلطة. فالحرب هي حربهم، وجسرهم الوحيد إلى السلطة، ولهذا يصرّ ويصرّون على استمرارها، ولو أدّى ذلك إلى قتل ملايين السودانيين بالجوع والتشرد وإهانة كرامتهم، التي هي بالنسبة لهم “كرامة العودة”!

أيُّ طينة من الرجال هذا الذي لا يغضب ولا يهتز من مناظر الذل والهوان التي يعيشها السودانيون؟ لماذا لا يسوءه، كما يسوءنا، هذا الإذلال وهذه المهانة التي ينفطر لها قلب الحجر؟ لماذا؟

لكن فليعلم هذا المهان الذليل أن وصوله إلى الحكم وعودة الحركة الإسلامية وهمٌ لن يتحقق. لن ينتصر هو، ولن يعودوا هم. لن ينتصر لأنه ليس قائداً ليحسّ بآلام الشعب، ولا رجلاً ليغضب لإهانتهم وذلّهم. ولن يعودوا لأن هذا الشعب قد لفظهم مرة وإلى الأبد، وسيلفظه معهم ألف مرة.

غداً يكتب التاريخ أن الكرامة التي أُهينت اليوم تحت أقدام الجوع ستنهض غداً أقوى، لتبني سوداناً جديداً، لا مكان فيه للقتلة ولا لتجار الدين.

وسيكتب أيضاً: أن الجوع قد هزم القوّاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار