السودان

منعم سليمان يكتب: تُرسين .. القرية التي ظُلم أهلها!

بقلم: منعم سليمان

وقعت أمس الأوّل في قرية تُرسين، الوادعة عند سفوح جبل مرّة بولاية وسط دارفور، حادثة أليمة أدمت القلوب وهزّت الضمائر. إذ انحدرت السيول وانهدّت الصخور بفعل أمطار غزيرة، لتبتلع الأرض أهلها وتُسقط عليهم شقاء الطبيعة وغضبتها. وحتى اللحظة لم يُعرف على وجه الدقة عدد الضحايا، لكن رواية طافت بها وكالات الأنباء، نقلاً عن بيان لعبد الواحد نور، زعمت أن القرية بكاملها قد انمحت عن الوجود، وأن نحو ألف نفس قضت دفعة واحدة، ولم ينجُ سوى واحد يتيم وحيد!

ترك الناس محو قرية كاملة من الوجود جانبًا واختلفوا حول عدد الضحايا: أألف هم، أم مئتان؟ وشخصيًا؛ لا أميل إلى تصديق الرواية العددية، ليس فقط لأنها مفرطة في المبالغة أكثر مما ينبغي، بل لأنني أعرف راويها معرفة كافية بالقدر الذي يجعلني أتزوّد بشكٍّ كافٍ عند سماع أيّ شيء يصدر عنه!

ولذا، فإن ما صدر عن جهات محلية أخرى لا تربطها شبهة تكسب سياسي أو مادي من مآسي الناس، من إحصاءات تراوحت بين عشرة ضحايا إلى مئتين، يبدو أقرب إلى المنطق وأصدق على ميزان العقل.

غير أنّ الحقيقة التي لا يغيّرها عدد، أن الفاجعة فاجعة، وأن الدم إذا سال لا يُقاس بالغزارة بل بالمصيبة. عشرة كانوا أم ألفًا، يظل الموت موتًا، والفقد فقدًا، والفجيعة واحدة. ولعل الأهم من عدّ الضحايا هو أن نتوقف عند أصل المأساة وجذورها العميقة، فليس في دارفور ثَمّة جبل أو وادٍ أشد خطرًا على حياة الناس من الحرب نفسها.

إن هؤلاء البسطاء لم يكن لهم أن يستوطنوا سفوح الجبال المنيعة، ويعرّضوا أرواحهم لبطش السيول وانزلاقات الأرض، لولا أن واديهم الخصيب تحوّل إلى مسرح حرب، وأن سهولهم الغنية صارت ساحة نزاع. ثلاثون عامًا وأكثر وهذه البلاد تنزف بفعل بندقية المسلمين الجدد الذين جاءوا ليفرضوا الدين على أحفاد كُسَاة الكعبة!، فدفعوا بهم إلى أعالي الجبال طلبًا للأمن ولقمة العيش. وهكذا، لا يصبح الخطر الطبيعي سوى انعكاس لخطر أعظم صنعته أيادي الكيزان التي ظلّت دومًا ملطّخة بالدماء، ولا تزال.

إن ما حدث في تُرسين جرس إنذار آخر يُضاف إلى ما سبق من نواقيس، يذكّرنا بأن أرواح السودانيين ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، بل هي أمانة لا يجوز التفريط فيها. فإذا كان سقوط صخرة من جبل قد أخذ عشرات الأرواح، فإن سقوط الأخلاق والعقلانية والحكم الرشيد قد حصد مئات الآلاف عبر السنين!

فلنقف لحظة مع الذات، ونسأل: إلى متى تظل حياة الناس رهينة بين مطرٍ يهمي، وحربٍ تستعر، وكيزان؟ إلى متى تظل قرى بأكملها مهددة، لا لأنها على حافة الوادي، بل لأنها على حافة الإهمال؟!

تُرسين اليوم مرآة لدارفور، ودارفور مرآة للسودان كله: أرض غنية بالجمال والخيرات والإنسان، لكن أهلها يتناوب على ابتلاعهم الطوفان والسلاح. وليس لنا – إن كنا نريد النجاة حقًا، إلا أن نكسر هذه الحلقة الجهنمية، ونقيم دولة الشعب، الدولة المدنية الديمقراطية التي تصون حياة الناس حيثما كانوا، في السهول أو على سفوح الجبال.

إن مأساة تُرسين التي شهدناها أمس، مهما كان عدد ضحاياها، ليست مجرد كارثة طبيعية، بل شهادة دامغة على أن الحرب هي أمّ الكوارث، وأنها الخطر الأكبر الذي لا يُقارن به خطر.

أوقفوا الحرب، يقف الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار