من بين ركام الانقلابات التي أثقلت صدر القارة، يطل السودان جرحاً نازفاً في قلبها. ففي ومضة خاطفة انكسر الحلم، وتحوّل الوعد بالديمقراطية والتنمية والازدهار إلى سراب عابر. وما مؤتمر تيكاد 9 في اليابان إلا مرآة جليّة: قارة تمضي بخطى واثقة نحو الغد، وسودان مُبعد عن مقاعد الحضور، يعاقبه التاريخ على خيانة ثورته ونكوصه عن مدنيته.
الأسبوع الماضي اختُتم مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في أفريقيا (تيكاد 9)، الذي انعقد بمدينة يوكوهاما بمشاركة واسعة من قادة القارة وشركائها الدوليين. كان حدثاً استثنائياً بكل المقاييس؛ إذ أعلنت اليابان عن حزمة استثمارية غير مسبوقة تجاوزت ثلاثين مليار دولار، توزعت بين البنية التحتية الذكية، والتعليم، والصحة، وبرامج إعداد الشباب الأفريقي لمواكبة أحدث تقنيات العصر. بدا المؤتمر بوابةً لنهضة أفريقية جديدة، حيث تلتقي التنمية بالشرعية ويقترن الاستثمار بالأمل.
غير أنّ السودان غاب، غياباً صارخ الدلالة. فقد أُقصي ببساطة عن المشهد لأنه رهينة انقلاب عسكري أطاح بحكومته المدنية في أكتوبر 2021. لم يكن الغياب تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل كان إعلاناً مدوياً بأن زمن الانقلابات قد ولّى في قارة تمضي نحو الديمقراطية والتنمية، فيما السودان اختار، أو بالأحرى أُجبر، أن يقبع خارج ركب المستقبل.
لقد كان انقلاب البرهان كارثة وطنية بكل المقاييس؛ فقد وأد تجربة انتقال مدني تاريخي كانت تبشر بإنهاء عزلة السودان وإعادته إلى حضن النظام الدولي، ووضعه في صدارة الأمم.
ففي عهد الحكم المدني بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك عاد السودان إلى الأسرة الدولية، وقلّما عُقد مؤتمر عالمي إلا وكان في مقدمته، بل ونوارته، حيث بدأ يستعيد ثقة المؤسسات المالية الدولية، ودخل مرحلة إعفاء الديون، وتفتحت آفاق استثمارية واعدة. ولأول مرة منذ عقود، شعر السودانيون بأن ثمة ضوءاً يتلألأ في نهاية النفق.
لكن البيان العسكري في 25 أكتوبر 2021 أطاح بكل ذلك. انهارت جسور الثقة، توقفت المساعدات، وتلاشت الوعود. وعاد السودان إلى القاع، إلى قائمة الدول المنبوذة التي أخرجته منها الحكومة المدنية. وها هو، بدل أن يكون حاضراً في يوكوهاما بين الدول التي تجني ثمار الشراكة مع اليابان، وجد نفسه محروماً، منكفئاً على جراحه، محاطاً بعزلته.
وتُرجمت الخطيئة السياسية إلى عزلة أفضت إلى مجاعة في القرى والمدن، ونزوح في الأطراف، وموت يخيم على المدن كما على المعسكرات.
والأدهى أنّ الانقلاب لم يكتف بوأد حلم الديمقراطية، بل أشعل شرارة حرب داخلية التهمت الأخضر واليابس، مزقت النسيج الاجتماعي، وحوّلت الملايين إلى لاجئين. وهكذا تضافرت الكوارث: حرب بلا أفق، عزلة دولية خانقة، مجاعة، وانهيار اقتصادي جعل الحياة اليومية معاناة مرة.
إن ما كشفه تيكاد 9 ليس جديداً، بل هو مرآة لحقيقة راسخة: التنمية لا تُمنح للأنظمة الانقلابية، بل تُبنى على أسس الشرعية المدنية والديمقراطية. وما غياب السودان عن ذلك المؤتمر سوى شاهد إضافي على أنّ الطريق إلى النهوض لا يمر إلا عبر استعادة الحكم المدني وعودة البلاد إلى حضن العالم شريكاً لا منبوذاً.
وخلاصة القول: إن انقلاب البرهان لم يُقصِ السودان عن مؤتمر دولي واحد فحسب، بل أقصاه عن ذاته وعن مستقبله. وسيظل الشعب السوداني يدفع الثمن ما لم تُطوَ صفحة الحرب والانقلاب، ويُفتح الباب من جديد أمام الشرعية والديمقراطية، فبهما وحدهما تبدأ التنمية ويزدهر السودان.