السودان

منعم سليمان يكتب: عاصمة بديلة أم طمس لجريمة كيماوي؟!

بقلم: منعم سليمان

ها هي الخرطوم المثخنة بالجراح تُقاد من جديد إلى مسرح المأساة؛ لا بمدافع الحرب وحدها، ولا برصاص الإخوان الغادر، بل بسمومٍ خفيّة نفثها جيشها وميليشياته الكيزانية في وجوه أهلها.

جيشٌ أقسم أن يحمي الحياة، فإذا به يتآمر على الشعب، يجهض أحلامه ويقتله، ثم يزرع الموت في الهواء والتربة ليتخلّص من النسل والزرع، ويغمر قلب البلاد بغازاتٍ كيميائية محرّمة دولياً، كأنما أراد أن يجعل من الوطن مختبراً للفناء.

قرار الفريق إبراهيم جابر – الرجل الرابع في القيادة العسكرية، الذي أبقاه البرهان بعيداً عن مقصلة الطرد من الجيش رغم فساده وارتباطه الكيزاني الصريح الذي يجاهر به بلا حشمة!- لم يكن سوى ستار رث يخفي الجريمة. فقد كُلّف بما سُمّي “إعادة إعمار وسط الخرطوم”، فإذا به فجأة يأمر بنقل مؤسسات الدولة من وسطها جنوباً إلى سوبا. فأي إعمار هذا الذي يبدأ بالنفي؟

إنّه اعتراف صامت من الجناة بأن الخرطوم قد تسممت، وأن السلاح الكيميائي استُخدم فيها بغير رحمة أو وازع.

كيف يُغلق قلب الدولة: وزاراتها، قصرها الجمهوري، مصارفها، مستشفياتها، أسواقها؟ وهل تُهجَر القلوب إذا اعترتها العلة، أم تُعالج وتُعاد إليها الحياة؟ ولكنها الحقيقة تتسرّب كما الغاز من بين الجدران: تقارير محلية وطبية تكشف أن ما يجري ليس إصلاحاً عمرانياً، بل محاولة يائسة لإخفاء الأدلة ودفن جريمة لا تُدفن.

أطباء تحدثوا عن حُمّى غامضة تفتك بالأجساد، عن صدور تختنق بلا سبب، عن أمراض لا تجد لها الأوبئة اسماً في الخرطوم. وفي دارفور تغيّر الماء وفقد خصائصه الفيزيائية، فاكتسب لوناً وطعماً ورائحة، ونفقت الماشية في القرى والبوادي، وساد صمت ثقيل كأن الصوت نفسه تسمم.

لقد وضحت أكذوبة المؤامرة، وتأكدت الحقيقة: لم تكن الاتهامات الدولية وهماً، بل هي الخيانة العظمى بعينها؛ خيانة تتجاوز حدود السياسة إلى هاوية الجنون السلطوي: أن يُباد شعب بأكمله لتُفتح الأبواب أمام الكيزان للعودة إلى الحكم، ويبقى البرهان باقياً وباغياً على صدورنا.

ها هو المجرم يفضح نفسه بقراراته، ويؤكد أن إغلاق وسط الخرطوم ونقل مؤسسات الدولة ما هو إلا ستار شاحب، بينما الحقيقة تلوح صارخة: الخرطوم مسمومة. وما تروّج له سلطة الأمر الواقع في بورتسودان عن “عاصمة جديدة” في سوبا ليس إلا وهماً مكشوفاً؛ فأي دولة غارقة في الفقر والحرب والمجاعة تستطيع أن تشيّد عاصمة بديلة؟!. إنه القناع البالي الذي يخفي عار الجريمة.

إن ما ارتكبه الجيش وميليشيات الكيزان في قلب الخرطوم جريمة حرب مكتملة الأركان، لا تمحوها بيانات التضليل ولا يطويها الصمت. المطلوب الآن تحقيق دولي عاجل، تشارك فيه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومنظمة الصحة العالمية، لتثبت أن هذا الهواء القاتل لم يهبّ من الطبيعة، بل من فوهات عسكرية وُجهت عمداً إلى صدور الأبرياء.

والتحذير واجب للشعب: لا عودة إلى الخرطوم قبل أن تُعلن نتائج الفحوص المستقلة. فالعودة الآن عودة إلى سمومٍ تسكن الجدران والتربة والهواء. إنها ليست إعادة إعمار، بل إعدام بطيء لجيل كامل إن لم يُكشف المستور.

لقد سقطت أسطورة “معركة الكرامة” بعد أن تحولت إلى معركة الإنسان من أجل حقه في أن يتنفس هواءً لا يقتله. والخرطوم لم تعد مجرد مدينة ولا عاصمة، بل غدت شاهداً أبدياً على خيانة جيشٍ تلطخ بالعار، غارساً خنجره الكيميائي في خاصرة شعب بريء. ولن يمحو هذا العار حتى يُقاد المجرمون إلى ساحة العدالة، أمام التاريخ والإنسانية.

إنهم مجرمون وأوغاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار