في واحدة من أعظم الملاحم القانونية التي شهدتها البشرية، قررت النيابة العامة في السودان أن تُدوِّن دعاوى جديدة ضد 17 من قادة تحالف “تأسيس”، بتهم تتراوح ما بين الإبادة الجماعية، مرورًا بالحرب ضد الدولة، وانتهاءً بتقويض النظام الدستوري، في بلدٍ لم يتبق فيه لا دستور ولا نظام ولا حتى قاضٍ يتجرأ على سؤال شرطي: “أين المتهم؟”
لكن، لنتحدث بصراحة، فهذه البلاغات لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، هذا إذا افترضنا أصلًا أن هنالك حبراً، ولم تكن البلاغات قد دُوّنت على كروت شحن موبايل أو أوراق متبقية من نشرة أسعار السكر والعدس في سوق بورتسودان.
فما إن صرخ أحد “اللايفاتية” الشهيرين على فيسبوك – بعد ليلة حامية من البث المباشر وتهديد وزير العدل علنًا: “يا أنا يا انت، إذا لم تدوِّن البلاغات دي!” – حتى خاف الوزير، وخضع، ورضخ، واستجاب كأنه طفلٌ تم زجره في الصف الأول الابتدائي. الوزير، كما يبدو، اكتشف أن الخوف من لايف في السودان أصبح أقوى من الخوف من الله أو القانون، وهكذا، رأينا القانون يُخيط على مقاس التريند.
أغرب ما في هذه البلاغات، أنها لم تُدوَّن ضد أناس جدد، لا! بل بعضهم تمت تدوين بلاغات ضدهم من قبل، وفي ذات الجرائم تقريبًا، وكأن النيابة العامة مصابة بمتلازمة “إعادة التدوير”، تعيد نفس البلاغات بتواريخ مختلفة، تضيف قليلاً من بهارات المادة 186، وترش بعضًا من مادة 190، وتختمها بختم المادة 192، ثم تخرج على الناس ببيان مهيب يتحدث عن الإعدام والسجن المؤبد، بينما المتهمون مشغلون بما هو أسمى من هذه التفاهات: القضاء على الكيزان واجرامهم ونيابتهم.
والسؤال الأهم هنا: هل النيابة تُدين الناس أم تُدين نفسها؟
كيف نفسر أن نصف القائمة المتهمة هذه، كانوا حتى قبل أسابيع فقط في طابور التفاوض في جدة والقاهرة؟ وهل كانت الدولة التي تتهمهم اليوم، تقبل التفاوض مع “مجرمي حرب” في وضح النهار، أم أن الجريمة تبدأ فقط حين يفقد أحد “اللايفاتية” أعصابه؟
إن المشكلة الحقيقية ليست في البلاغات، بل في من يُمليها. فحين يتحوّل القرار القانوني إلى استجابة فورية لبث مباشر فيه صراخ وشتم وتهديد، فاعلم أن العدالة قد تخلّت عن سيفها واستبدلته بـ”واي فاي”.
أرجوكم، لا تقولوا لنا أن القانون لا يعرف الخوف، فقد رأيناه يرتعد. لا تزعموا أن النيابة تتحرك باستقلالية، وقد سمعنا الوزير يتلعثم في برنامج حواري حين سُئل عن مصدر الأمر، فاكتفى بعبارة: “وردتنا شكاوى… من لجان… من جهات…”، ولم يقل إنها “جهات بث مباشر”.
وفي الختام، أقولها بمرارة فكاهية: هذه البلاغات لا تساوي الحبر الذي كُتبت به، ولا حتى “الميغا” التي استهلكها اللايف. ولو كُنتُ مكان المتهمين، لرفعت دعوى مضادة ضد النيابة بتهمة “إساءة استخدام الحبر”.
أعزائي القراء… اضحكوا. فأنتم في السودان، حيث تصبح الدولة طرفًا في حفلة تنمر إلكتروني، والوزير موظف في صفحة فيسبوك، والقانون موظف موسمي، يظهر فقط حين يسعل أحد اللايفاتية.