السودان

سفراء ودبلوماسيون سودانيون يطلبون اللجوء السياسي .. خارجية بورتسودان تتصدع

تقرير: راينو

صفعات تتوالى على خد دبلوماسية الحرب في الخرطوم التي يسيطر عليها أنصار النظام المباد، آخرها موجة تهرب دبلوماسيي خارجية بورتسودان من تنفيذ تكليفهم أو إنهاء مهامهم. في ظل الحرب المستعرة منذ أبريل 2023، لم تعد الانشقاقات داخل السلك الدبلوماسي السوداني مجرد حوادث معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة مؤسسية مقلقة تهدد تماسك الدولة من الخارج.

فمع فقدان السيطرة المركزية، وعودة رموز النظام البائد إلى مفاصل الدولة، وغياب رؤية وطنية جامعة، لجأ عدد من السفراء والدبلوماسيين إلى تقديم استقالاتهم، أو الانشقاق العلني، أو طلب اللجوء السياسي في الدول التي يعملون بها. هؤلاء لم يعودوا مجرد موظفين ناقمين، بل شهداء على مأساة الانهيار الدستوري في البلاد.

ثلاثي إيرلندا يرفض العودة:

في أحدث حلقات الانشقاق، كشفت صحيفة الشرق الأوسط في 3 أغسطس 2025، أن السفير السوداني في إيرلندا، عادل يوسف بانقا، ومعه القنصل محمد موسى والملحق العام عمر أروك، تقدموا بطلبات لجوء سياسي في دبلن، ورفضوا العودة إلى بورتسودان. ووفقًا للتقرير لما أوردته الحدث فإن أسباب انشقاقهم تعود إلى خشيتهم من واقع السودان المشتعل بنيران الحرب.

وتبدو المفارقة أنه باستثناء السفير المنتهية مدته، فإن الدبلوماسيين الآخرين كانت لجنة إزالة التمكين خلال فترة الحكومة الانتقالية أوردت أسمائهم ضمن كشوفاتها، ما يشير إلى انتمائهم إلى التنظيم المحلول، لذا استغرب العديد من المراقبين اقدامهم على خطوة اللجوء السياسي رغم أن الخارجية أعادتهم عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وحاليًا فإن تنظيمهم الإسلامي مسيطر على مفاصل الدولة عامة والخارجية خاصة.

بواكير الحرب:

مع اندلاع الحرب شهدت السفارات السودانية في الخارج حالة من التضارب الحاد في القرارات والمواقف، حيث أعلنت بعض السفارات ولاءها للجيش السوداني، بينما رفضت سفارات أخرى الاعتراف بسلطة الأمر الواقع أو أبدت تأييدها لبعثات دبلوماسية منافسة. هذا الانقسام أدى إلى إغلاق بعض السفارات وفقدان السيطرة على المباني والأصول التابعة لها، ما أثر سلبًا على المواطنين السودانيين في الخارج، الذين يعيشون أوضاعًا صعبة، معرضين لضغوط متعددة تُستخدم ممتلكاتهم في الصراعات السياسية الدائرة.

انشقاق السفير لدى الاتحاد الأوروبي:

في مايو 2024، أوردت سودان تريبيون أن السفير السوداني لدى بلجيكا والاتحاد الأوروبي، علي محمود الحسين، أعلن انشقاقه عن حكومة بورتسودان، وطلب اللجوء السياسي في بروكسل. وفي بيان أصدره آنذاك، اتهم الحسين الحكومة بـ”فقدان الشرعية والانحراف عن مسار الدولة المدنية”، منتقدًا “محاولات إعادة تدوير النظام البائد” عبر تحالفات الحرب.

امتناع السفير في جنوب أفريقيا عن العودة:

كذلك نقلت الجزيرة مباشر في تقرير لها بتاريخ 28 ديسمبر 2024، أن السفير السوداني في جنوب أفريقيا، حسن محمد حامد، رفض العودة إلى بورتسودان بعد انتهاء فترة عمله، متحفظًا على سياسات حكومة الأمر الواقع، ومؤكدًا في رسالة غير منشورة رسميًا أن عودته قد تعني “الاصطفاف مع سلطة لا تمثله”.

استقالة مبكرة من جنيف:

في أبريل 2023، نشرت المشهد السوداني خبر استقالة نوال مختار، نائب المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة في جنيف، والتي جاءت مباشرة بعد اندلاع الحرب. وقالت نوال في توضيحها إنها “لم تعد قادرة على تمثيل دولة تقتل أبناءها”، معتبرة أن استمرارها في منصبها “خيانة أخلاقية للعدالة التي يجب أن تمثلها الأمم المتحدة”.

السفير في كينيا يرفض التمثيل الرسمي:

في نوفمبر 2023، ذكرت سودان تريبيون أن السفير السوداني في نيروبي، كمال إسماعيل سعيد، قدّم استقالته من منصبه، ورفض تمثيل حكومة بورتسودان رسميًا، معتبرًا في رسالة الاستقالة أن الموقف الرسمي من الحرب “لا يمثل قناعته”، وأنه يرفض أن يكون جزءاً من جهاز دبلوماسي “يعجز عن قول كلمة حق”.

سفير الإمارات يعتصم في الخارج:

وفي سياق مماثل كشفت إندبندنت عربية في تقرير بتاريخ 12 سبتمبر 2024، أن السفير السوداني في أبوظبي، حسن الزاكي، امتنع عن العودة إلى البلاد بعد استدعائه رسميًا، ووجّه انتقادات مبطنة لحكومة بورتسودان، مبررًا قراره بأنه “لا يريد أن يشارك في تمثيل سلطة لا تحترم إرادة شعبها”.

شهد السلك الدبلوماسي السوداني خلال حكم الرئيس عمر البشير (1989-2019) وبعده موجات متفاوتة من الاستقالات وطلبات اللجوء السياسي، تعكس عمق الأزمة السياسية والمؤسسية التي عصفت بوزارة الخارجية. يعرض هذا التقرير أبرز حالات الانشقاق وطلب اللجوء، مع تحليل الأسباب والتداعيات.

خلال حكم المخلوع:

يُعد السفير عادل حسين شرفي أحد أبرز الحالات المعروفة للانشقاق خلال حكم البشير، حيث عُين سفيراً في كمبالا عام 2013، وغادر منصبه في يونيو 2014 متوجهًا إلى لندن، بعد طلبه المعاش الاختياري ورفض الخارجية له.

يرجع سبب رحيله إلى اعتراضه على سياسات الخرطوم، خصوصاً بعد كشفه مخططاً لتصفية قيادات الحركات المسلحة، مما عرضه لمخاطر شخصية كبيرة، دفعته لتقديم طلب لجوء سياسي في بريطانيا. وحسب رصد “راينو” تُعد هذه الحالة نموذجاً واضحاً لانشقاق سفراء كبار في ظل النظام، ولكنها لم تكن معروفة على نطاق واسع وقت حدوثها.

كذلك وبحسب تقارير إعلامية سابقة، قدّم عدد من أعضاء طاقم السفارة السودانية في لندن طلبات لجوء سياسي بعد إعفائهم من مناصبهم عبر لجنة إزالة التمكين. وضمت نائب رئيس البعثة بدرجة وزير مفوض، مدير الحسابات، مدير الجوازات، المدير الإداري، وملحقين عسكريين بدرجات مختلفة. ورفض بعض هؤلاء العودة رغم طلبات الخارجية، لأسباب صحية أو سياسية.

حالات قيد الرصد والتحقق:

وتذهب مصادر دبلوماسية تحدثت إلى “راينو” إلى وجود تحفظات داخل بعثات السودان في باريس، أوسلو، كمبالا، ونيودلهي. البعض فضل التمديد غير الرسمي لإقامته، فيما اتخذ آخرون موقف التجميد غير المعلن من واجباتهم، وسط تكتم من وزارة الخارجية. وقال سفير متقاعد: “في يوليو 2025، نشرت أفريكا إنتليجنس” – وكالة إعلامية فرنسية متخصصة في الشؤون الإفريقية – تقريرًا يتحدث عن حالة “تمرد مكتوم” داخل أكثر من 10 بعثات سودانية حول العالم، وأن الخارجية “تفقد السيطرة على سلكها الدبلوماسي تدريجيًا”.

ما وراء الانشقاقات:

ويذهب الدبلوماسي المتقاعد إلى أن الحالات الموثقة تشير إلى تداخل جملة من الدوافع وراء هذه الانشقاقات، من أبرزها انعدام الشرعية السياسية، فالعديد من الدبلوماسيين يرفضون تمثيل حكومة جاءت إثر انقلاب وتستمر بالحرب، وتتحالف مع فلول النظام السابق، خاصة أن الحكومة فقدت الدعم الدولي ومقعد السودان في عدد من المنظمات.

وأضاف: “هناك الخوف من الملاحقة، حيث إن بعض المنشقين وردت أسماؤهم في قوائم لجنة إزالة التمكين في وقت سابق، وحال تغيير الوضع السياسي وتوقفت الحرب فإن مصيرهم سيكون الإقالة أو آخرين كانوا على صلة بالحكومة الانتقالية، ما يجعلهم عرضة للمضايقة أو التصفية في حال العودة حاليًا”.

وأبان الدبلوماسي المخضرم على وجود نوع من الانهيار المؤسسي، وقال: “تفتقر وزارة الخارجية لأي قيادة سياسية فاعلة أو مرجعية واضحة، وتعمل في ظل تضارب قرارات مجلس السيادة والمجلس العسكري ومجلس الوزراء منزوع الصلاحية، فضلاً عن الخلاف الأيديولوجي مع السلطة الحالية، حيث يعبّر بعض السفراء عن رفضهم لعودة الإسلاميين”.

التداعيات على تمثيل السودان الدولي:

هذه الانشقاقات، المتسارعة زمناً والممتدة جغرافياً، ليست فقط مواقف شخصية، بل تمثل لدى المحللين فقدان السودان لهيبته الدبلوماسية، وغياب التمثيل الفاعل في المحافل الدولية، وفتح المجال أمام تمثيل مدني بديل أو قنوات غير رسمية، وتآكل الثقة بين السودان وشركائه الدوليين، وتحويل السفارات إلى نقاط نزاع أو إحراج سياسي دائم.

من جانبه يرى المحلل السياسي إيهاب الحسن في حديثه لـ”راينو” أن الانشقاقات الدبلوماسية التي تشهدها وزارة الخارجية السودانية اليوم تعكس صورة أكثر عمقًا لأزمة السلطة في السودان. وقال: “الدولة التي فشلت في حماية مواطنيها في الداخل، باتت الآن عاجزة عن الحفاظ على صورة موحدة لها في الخارج. ولعل ما يضاعف خطورة المشهد، هو أن هذه الانشقاقات تأتي من شخصيات محترفة، قضت سنوات في خدمة الدولة، لكنها اختارت أن ‘تغادر الموقع لا المبادئ'”.

وشدد الحسن على أنه حال استمر وضع الحكومة الحالية في تجاهل أسباب هذه الانشقاقات، أو في استدعاء السفراء بنهج أمني/إقصائي، فإن البلاد ماضية نحو عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، وانهيار شبه كامل لمؤسسة من المفترض أن تكون واجهة السودان أمام العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار