الملف الأسود لفساد السلطة القضائية طيلة فترتي الانقلاب والحرب
تقرير رقم (4)
رحاب مبارك سيد أحمد عضو المكتب التنفيذي – محامو الطوارئ
ذكرتُ في التقارير السابقة كل الممارسات التي ارتكبها القضاة الذين تم اختيارهم بواسطة رئيس القضاء عبدالعزيز فتح الرحمن، وبإشراف القاضي السابق ورئيس المؤتمر الوطني أحمد هارون، لتنفيذ وإكمال مهام الانقلاب والحرب التي وضعتها الحركة الإسلامية.
والآن أواصل في ملف فساد ولاية البحر الأحمر ورئيس جهازها القضائي القاضي عبدالمنعم إسماعيل أبوبكر.
أولًا:
شهدت مدينة بورتسودان في الأسابيع الماضية موجة حر شديدة، كانت مزيجًا من الرطوبة العالية ودرجات الحرارة المرتفعة، كعادة طقس المدينة في كل فصل صيف. وبسبب الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي في أنحاء المدينة، بما في ذلك أجهزة المحاكم، توقفت جلسات المحاكمات لما يقارب الأسبوعين نتيجة لانقطاع الكهرباء داخل مباني المحاكم، وهو ما لم يسمح باستمرار العمل القضائي.
أغلب الجلسات التي تم تأجيلها كانت تخص متهمين تحت طائلة المادتين (50) و(51) من القانون الجنائي السوداني، والتي أُسميها أنا بمواد “التشفي والانتقام”، حيث شملت الاتهامات كافة فئات الشعب السوداني من سياسيين، ومهنيين، ونقابيين، ممن لم يتمكنوا من المثول أمام المحاكم المختصة للإدلاء بأقوالهم، وتقديم دفوعاتهم ضد التهم المنسوبة إليهم، بسبب تأجيل جلسات المحاكمة في تطويلٍ مخلّ بإجراءات سير العدالة، وهو أمر مرفوض في العرف القانوني، إذ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ويجب أن يُقدّم إلى محاكمة عادلة وناجزة.
وترجع خلفية إشكالية هذا التطويل إلى إخفاق رئيس الجهاز القضائي بالولاية في توفير مولدات كهربائية للمحاكم، بسبب مديونية الجهاز لأحد التجار بمبلغ (26) مليون جنيه سوداني، عجز عن سدادها نتيجة خلو خزينة الجهاز وتصفيرها بواسطة إدارة الخدمات ممثلة في قاضيها مالك بكري، الذي قام بتحويل جميع أموال السلطة القضائية في بورتسودان للاستثمار في بيع أجهزة الطاقة الشمسية.
وفي الوقت الذي يستثمر فيه القاضي مالك بكري أموال السلطة القضائية في تجارة أجهزة الطاقة الشمسية، تعجز ولاية البحر الأحمر عن تشغيل مروحة سقف داخل قاعات المحاكم، بسبب إفلاس خزينة الجهاز وعدم قدرته على سداد الديون المستحقة، مما ترك آلاف المتهمين داخل سجن بورتسودان يتجرعون مرارة انتظار العدالة الغارقة في حمامات الفساد، في ظروف غاية في السوء يعاني منها المنتظرون للمحاكمة، من جوع، وعطش، ونقص في الرعاية الصحية، بالإضافة إلى الحر الشديد والانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي.
ثانيًا:
قاضي محكمة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة بولاية البحر الأحمر (المأمون الخواض)، وهو القاضي الذي أسميته وأطلقت عليه لقب “مستنفر السلطة القضائية”، بسبب ولائه الظاهر للمؤتمر الوطني وتنفيذه لخطة الانتقام والتشفي من القوى المدنية، وهي الخطة التي وضعها أحمد هارون بأعلى معايير الدقة والالتزام.
المأمون الخواض من أبناء المسيكتاب بشندي، والده كان قاضيًا سابقًا في السلطة القضائية بالسودان وعُمان، أما أخوه منتصر الخواض، فهو مستنفر في صفوف كتائب البراء بن مالك الكيزانية، ويُلقب بـ”المستنفر الصغير” في منصات الإعلام الرقمي. أما القاضي مأمون الخواض، فإنه يخوض معاركه الخاصة ضد المدنيين بإنزال أقسى العقوبات الظالمة والجائرة عليهم، في خرقٍ واضح لمبدأ حياد القاضي، الذي يقف متفرجًا من هول الغبن وشدة الأحكام، خصوصًا وأن أغلب هذه الأحكام يتم إلغاؤها جميعًا في درجات التقاضي الأعلى.
تجده أثناء سير المحاكمات يميل إلى جانب الاتهام بصورة مشينة، ويتبنى كل ما جاء في يومية التحري، رغم أن العرف القانوني ومطلوبات المحاكمة العادلة والسليمة تقتضي عدم الاستناد إلى يومية التحري كدليل إدانة مستقل. كما أنه يُكوّن فكرة تجريمية مبنية فقط على بينات سماعية، غير مؤطرة بأطر الشهادة المقبولة قانونًا، في تحيّز واضح، كل الغرض منه إصدار أحكام انتقامية تصل عقوباتها إلى الإعدام، أو السجن المؤبد، أو السجن لعشر سنوات.
ثالثًا:
الاتفاق السري بين رئيس القضاء وممثلي نقابة المحامين الكيزانية داخل مباني الجهاز القضائي ببورتسودان.
عقد رئيس القضاء وبعض ممثلي نقابة المحامين السودانيين (الكيزانية) اجتماعًا مغلقًا داخل مباني رئاسة الجهاز القضائي ببورتسودان، كان الأساس فيه عقد تسوية بينه وبينهم، بحيث تكف نقابة المحامين لسان الصحفي عمر كابو (كوز) عن القاضي عبدالعزيز فتح الرحمن، ويمتنع عن الإساءة إليه، بعد أن كتب مقالًا عنه بعنوان: “رئيس القضاء في مستوى الشبهات يا هذا”، مفندًا فيه عدة وقائع، واصفًا رئيس القضاء بالفساد.
في ذات المقال، انتقد كابو إبعاد النقابات الشرعية (الكيزانية) عن أداء عملها، واتهم رئيس القضاء بالتقرب من لجنة تسيير المحامين، التي يصفها بـ”لجنة القحاطة”، معترضًا على زيارة أحد أعضائها له بمكتبه.
وبعد أن أخذ رئيس القضاء ضمانات من النقابة بأن يكف عمر كابو لسانه عنه، ويتوقف عن كتابة المقالات، تجاوز رئيس القضاء وبالمخالفة للقانون، ورغم القرارات الصادرة من أعلى جهة قضائية وهي دائرة المراجعة بالمحكمة العليا، التي أصدرت أحكامًا لصالح اللجنة التسييرية، حيث قام بتعيين القاضي (عثمان جبرة) (سأتحدث عن فساده باستفاضة في التقرير المقبل) ممثلًا للسلطة القضائية في لجنة قبول المحامين، ليرافق وفد النقابة (الكيزانية) في جولات تدشين المحامين تحت التمرين داخل الولايات، مانحًا إياهم شرعية كان القانون قد حرمهم منها. واصل رئيس القضاء بهذه الخطوة تنفيذ خطة إعادة تمكين الحركة الإسلامية، ليس في أوساط القضاة فقط، وإنما حتى في أوساط المحامين، ليعيد للمؤتمر الوطني سيطرته على نقابة المحامين، التي كان قد فقدها منذ قيام ثورة ديسمبر المجيدة.
رابعاً
قاضي محكمة الجنايات العامة بولاية كسلا (ابراهيم عبدالمعروف رجيل) تم تعيينه من قبل رئيس الجهاز القضائ السابق الصادق خليفة وكلفه بنظر الدعاوي الجنائية المحولة مما يسمي بالخلية الامنية. هذا القاضي يفتقد تماما لادني معايير المهنية والالمام بالثقافة العامة التي تمكنه من معرفة ماهية العلم القضائي وهذا بالطبع بسبب إشكالية شابت تعيينه في الاساس حيث انه ضمن ٢٠٠ قاضي تخرجو من جامعة القرأن الكريم تم تعيبنهم ترضية للجامعة التي كان يرفض تعيين متخرجيها للضعف الاكاديمي الذي لايتناسب مع السلطة القضائية، ولحداثة الجامعة نفسها.
وقام بتعيين هؤلاء رئيس القضاء جلال الدين محمد عثمان رغم الاعتراض علي تعيبنهم من قضاة كبار في السلطة القضائية، وتم الحاقهم بالعمل دون الخضوع لمعاينات. لذلك فانه متماهي لابعد الحدود وبصورة فاضحة بولائة للمؤتمر الوطني داعما لخط عدم توقف الحرب ضاربا بمبدأ حيادية القاضي عرض الحائط.
والقاضي (ابراهيم عبدالمعروف رجيل” مسئول عن محاكمة عشرات النساء السودانيات بأحكام تصل عقوبتها للاعدام والمؤبد والعشر سنوات بولاية كسلا، بعد إدانتهن بالمواد ٥٠ و٥١ (مواد التشفي والانتقام)في تنفيذ واضح لخطة انتقام الحركة الاسلامية من القوي المدنية التي نشدت التغيير، سالكا مسلكا ينافي ادني معايير المهنية ومخالفا لاسس المحاكمات العادلة بتوجيه الاسئلة التجريمية للمتهم نيابة عن الخلية الامنية بعد ان ينتهره بأعلي صوت للاجابة عليها.
سأواصل في كشف المستور في ملف فساد السلطة القضائية إلى أن تعود هذه المؤسسة المختطفة من قبضة الحركة الإسلامية إلى حضن أبناء الشعب السوداني.