السودان

السودان والرباعية: لعبة المصالح وصراع التأثير

راينو: وكالات

مع استمرار الحرب السودانية، لم تعد ملامح الحل ترسم داخل البلاد، بل باتت تدار من خارجها، وتحديدا من عواصم الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات). جاء تأجيل اجتماع الرباعية في واشنطن أواخر يوليو 2025 دون تحديد موعد بديل، ليكشف هشاشة التنسيق الدولي حول الأزمة السودانية، خاصة في ظل تصاعد الخلافات بين أطراف الرباعية. في الوقت نفسه، كانت مكونات سودانية تعلن عن تشكيل حكومة تأسيسية مدنية كنوع من فرض الحضور السياسي.

هذا التوازي في المشهد، بين تأجيل خارجي وحراك داخلي، يطرح سؤالا جذريا من يمتلك القرار في السودان؟ وهل نحن أمام صحوة وطنية أم ارتدادات لحراك إقليمي متعثر؟

الاجتماع المؤجل، الذي كان ينتظر أن يعلن فيه عن تصور مشترك لمرحلة انتقالية سودانية، سقط بسبب خلافات حادة، خاصة بين مصر والإمارات. القاهرة رفضت مقترحات تقضي بإبعاد الجيش والدعم السريع عن المرحلة الانتقالية، بينما دفعت أبوظبي باتجاه تجاوز الدور التقليدي للجيش، الذي تتهمه بأنه يمثل امتدادا لفكر الإخوان الذي حكم السودان ثلاثين عاما. أما السعودية، التي رعت سابقا مبادرة جدة، فبدت أكثر تحفظا منذ أشهر، متجنبة الانخراط العميق في صراعات لا تخدم رؤيتها كقوة اقتصادية صاعدة.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فقد بدا تأجيل الاجتماع ترجمة لموقف بارد، لا يعطي السودان أولوية بقدر ما يراقب مَن يمسك بملفه من الحلفاء الإقليميين.

اختيار هذه الدول الأربع لتشكيل “الرباعية” ليس وليد التوافق أو القرب الجغرافي، بل نتيجة لمنطق النفوذ والقوة. فمصر تنظر إلى السودان كعمق استراتيجي أساسي مرتبط بمياه النيل وأمنها القومي، وتحرص على أن لا تنشأ دولة معادية أو منفلتة على حدودها الجنوبية. السعودية تنظر من زاوية الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها في البحر الأحمر، بينما توازن بين علاقتها التاريخية بالمؤسسة العسكرية ونزعتها الجديدة للحياد الإيجابي.

الإمارات، من ناحيتها، ترى أن المؤسسة السودانية الحاكمة ما هي إلا امتداد لمنظومة إخوانية تاريخية تعاديها، وهي لهذا السبب لا تخفي دعمها لخيارات بديلة تعيد تشكيل السلطة في السودان. أما الولايات المتحدة، فهي تدير الملف السوداني من منظور “مَن يؤثر على السودان”، لا من السودان نفسه، وتربط استراتيجيتها بأدوار مصر، والسعودية، والإمارات، كلٌّ بحسب موقعه الجيوسياسي وتحالفاته مع إسرائيل والغرب.

غياب دول إفريقية أكثر قربا للسودان عن مشهد الرباعية يطرح تساؤلات حرجة. لماذا لا نرى دول مثل تشاد، جنوب السودان، إثيوبيا، أو حتى الاتحاد الإفريقي ضمن طاولة القرار؟ الإجابة الواضحة أن هذه الدول، رغم قربها الجغرافي والتاريخي، لا تملك النفوذ السياسي والاقتصادي الكافي لفرض أجنداتها في المحافل الدولية.

الرباعية تمثل مصالح، لا جغرافيا. كل دولة من دولها تمسك بالملف السوداني وفق منظورها الخاص: مصر تريد جيشا قويا يتبع لها، الإمارات تسعى لإقصاء الإخوان، السعودية تبحث عن استقرار إقليمي، وأمريكا تراقب مصالحها الاستراتيجية من مسافة.

في هذا السياق، لا يمكن اعتبار الرباعية مبادرة إنقاذ للأزمه سودانية، بقدر ما هي منصة تفاهم بين قوى إقليمية حول شكل السودان الذي يناسبها. فالدولة السودانية يمكن أن تبقى موحدة، لكن بشرط أن لا تشكل تهديدا مباشرا لمصالح أي طرف من هذه الأطراف.

وبين إعلان حكومة هنا، وتأجيل اجتماع هناك، تبقى إرادة السودانيين مؤجلة في انتظار اليوم الذي يُعاد فيه تعريف السودان من الداخل، لا عبر اشتراطات الخارج؟ السؤال الأصعب إذن متى سيتحوّل السودانيون من مجرد أوراق في مائدة الآخرين، إلى صناع لطاولتهم الخاصة؟ وهل تسمح موازين القوى بإعادة رسم خريطة القرار من الداخل، أم أنه سيبقى ملعبا تتقاطع فيه مصالح الغير، أكثر مما تصاغ فيه إرادة شعبه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار