السودان

أمجد فريد والشيوعيين .. من واجهات للثورة إلى مرمى للاتهامات

تقرير: راينو

في تحول مستغرب، تشهد الأسافير حملات متفاوتة لترشيح المتحدث باسم تجمع المهنيين السابق د. أمجد فريد الطيب لمنصب وزير الخارجية في حكومة عمه كامل إدريس الذي عينه البرهان قبل فترة وجيزة، قبل أن تتواتر الأنباء عن تعيينه مستشاراً وناطقا رسمياً باسم مجلس الوزراء، وهو ما نفاه الطبيب الشاب بسرعة مؤكدا أنه غير مرشح لأي منصب. فلماذا برز أمجد فريد بصورة مثيرة للجدل، خصوصاً عندما انبرى كتاب النظام المباد لتلميع صورته وترشيحه للمناصب؟

الخرطوم: راينو

بروز سابق ومبرر:

المعروف عن أمجد فريد فصله ضمن عدد آخر من قطاع الأطباء الشيوعيين في العام 2016، وانخراطه بشكل أكبر ضمن مجموعة حركة “تغيير الآن”، التي برزت بشكل واضح في سياق ثورة ديسمبر المجيدة. برز أمجد فريد كمتحدث لبق، طبيب شاب مفعم بالحماس، شارك بفاعلية في تنظيم المظاهرات، وتصدر المنصات الإعلامية ممثلاً لـ “تجمع المهنيين السودانيين” الذي كان أحد المحركات الرئيسية للثورة. اكتسب شعبية كبيرة في بداية الحراك بفضل قدرته على التعبير عن مطالب الشارع، ومواقفه الواضحة ضد نظام البشير.

ومع تشكيل الحكومة الانتقالية بعد سقوط البشير، تولى فريد منصب مساعد لرئيس مكتب رئيس الوزراء السودان السابق د. عبد الله حمدوك، وهي خطوة رأى فيها كثيرون تتويجًا لدوره الثوري ودخوله معترك العمل التنفيذي. لكن هذه المرحلة كانت بداية تحول في صورته الذهنية لدى قطاعات واسعة من الثوار. كما عمل مستشارًا سياسيًا للبعثة السياسية الخاصة للأمم المتحدة في السودان، وزميل زائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في وقت من الأوقات.

نقاط التحول والاتهامات:

وفقًا لمتابعات “راينو”، بدأت الانتقادات تتوجه إليه مع تصاعد التوتر بين المكون المدني والعسكري في فترة الانتقال. حيث اتُهم فريد بالتقارب المفرط مع بعض أجنحة المكون العسكري، لا سيما بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، حيث لوحظت تصريحات ومواقف بدت وكأنها تدافع عن بعض خطوات الجيش أو تقلل من حدة انتقاده، على عكس الموقف الثوري الرافض للانقلاب. وهو أمر يرفض مقربون ربطه لـ”راينو” بأي تلميحات لخيانة الثورة، مفضلين ربط الأمر بالطموح الشخصي أو الذاتية.

وقال أحدهم: “بدأت التحولات تظهر على أمجد عقب مغادرته جهاز الحكومة التنفيذي، في حين صعد مجايلوه وأصدقاؤه في أدوار جديدة، فضلاً عن ابتعاده طيلة فترة منصبه عن أجهزة الحرية والتغيير وتجمع المهنيين، الأمر الذي جعله ناقداً وناقماً بعض الشيء، خصوصاً تركيزه على محاصصة الأحزاب في التشكيل الحكومي وهو القادم بلا حزب.”

في منحى مماثل، بلغت الاتهامات ذروتها حينما بدأ البعض يرى في مواقفه تحالفًا ضمنيًا أو حتى صريحًا مع رموز من النظام البائد (الكيزان أو الفلول). هذا الاتهام، وإن كان قاسياً، يرتكز على ملاحظات حول تغير الخطاب، أو التحالفات غير المعلنة التي قد تخدم أجندات معينة لا تتوافق مع مبادئ الثورة التي نادت بالقطيعة التامة مع نظام الثلاثين عاماً. البعض يرى أن هذه التحولات مدفوعة بمصالح شخصية، أو رغبة في البقاء في دائرة النفوذ السياسي بأي ثمن، فيما اعتبرها البعض الآخر انتهازية مخفية كانت تنتظر الفرصة للظهور في شخصية الطبيب الشاب.

أمجد والشيوعي.. لماذا التحول؟

مقرب منه، ممن عملوا معه خلال ديسمبر المجيدة، يذهب في حديثه لـ”راينو” إلى أن أمجد يمكن تفسير التحولات التي طرأت عليه إلى جملة من الحسابات، وقال: “قد تُفسر التحولات في مواقف ‘فريد’ بأنها نتاج براغماتية سياسية، اعتقاداً منه بأن العمل من داخل منظومة السلطة، حتى لو تضمنت أطرافاً مثيرة للجدل، قد يحقق فاعلية أكبر من البقاء في صفوف المعارضة المطلقة”.

وأضاف: “كما يُحتمل أن تكون خيبة الأمل من أداء القوى المدنية الأخرى، أو ضعفها وتشرذمها، دفعته للبحث عن تحالفات جديدة يرى فيها قدرة أكبر على إحداث التغيير أو الحفاظ على ‘استقرار’ معين، ولو كان هشاً”. وتابع: “أو ربما تغيرت قناعاته الشخصية بمرور الوقت، ما جعله يدرك ضرورة بعض الأيديولوجيات أو التحالفات التي كان يرفضها في سياق الأزمة الراهنة، كذلك ربما في ظل الفوضى الأمنية والحرب، قد تكون حساباته تتعلق بالبحث عن الحماية أو النفوذ في الأوضاع غير المستقرة عاملًا مؤثرًا”.

بيد أن تحليلات أخرى ترى أن أمجد فريد يتسق مع مواقف حزبه سابقاً، أي الشيوعي، وأن أمجد غادر الحزب لكن الحزب لم يغادره. ويدلل الكثيرون على ذلك بارتفاع الصوت العالي الداعم للجيش داخل الشيوعي في مواجهة الدعم السريع، بل وهو أمر اعتبره البعض مثيراً للتساؤل والجدل الواسع، لا سيما بالنظر إلى تاريخ الحزب الشيوعي كأحد أبرز معارضي نظام الإنقاذ وتقديمه تضحيات كبيرة لإسقاطه.

لكن ذات التحليلات ترى أن ثمة عوامل عدة تجعل التقارب منطقياً، وتتمثل في العداء المشترك للديمقراطية الليبرالية؛ فبعض المحللين يرون تقاطعاً بين أجنحة معينة من اليسار و”الفلول” في رفضهم للمشروع الديمقراطي الليبرالي الذي روجت له قوى “الحرية والتغيير” المدنية.

فبينما يرى “الفلول” فيه تهديداً لسيطرتهم، يرى بعض الشيوعيين، خصوصاً الجناح المتشدد، أنه استنساخ لنموذج غربي غير ملائم للواقع السوداني أو حتى تواطؤ مع قوى خارجية. كذلك وجود دافع قائم أو مستند على الرغبة في إسقاط “قحت” لبعض الشيوعيين الذين رأوا أن مسار الثورة قد انحرف أو أن قيادة “قحت” اتسمت بالتسلط أو الفشل، مما دفعهم للبحث عن تحالفات، حتى مع خصوم الأمس، بهدف إعادة صياغة المشهد السياسي.

فضلاً عن أن بعض الشيوعيين يركزون على “الدولة العميقة” والبيروقراطية، حيث يعتقدون أن المشكلة الأساسية في السودان تكمن في الفساد البيروقراطي، وهو ما قد يدفعهم للتعاون مع أطراف يرون أنها قادرة على تفكيك هذه الهياكل، حتى لو كانت هذه الأطراف قد استخدمتها في الماضي.

فيما ترى تحليلات أخرى أن مواقف الحزب وتقاربه مع أعداء الأمس، ولو على مستوى المواقف، يتأثر بواقع الحزب حالياً من حيث ضعفه وتشرذمه الناتج عن انقسامات وتحديات داخلية كبيرة على موقفه وتشتت أعضائه، مما قد يدفع بعض الأفراد أو الأجنحة للانحياز لتحالفات غير متوقعة لضمان بقائهم أو نفوذهم.

رؤية مغايرة كلياً تفسر سيناريو التقارب الماثل بين بعض الشيوعيين والإسلاميين بدعمهم للجيش أو مساندته، وتستند تلك الرؤية على الإقرار بأن “الفلول” هم نتاج الإسلام السياسي، إلا أن العداء للدعم السريع كعدو مشترك أكبر قد يدفع البعض إلى رؤية أن الحرب الدائرة قد خلقت عدواً جديداً يجمع أطرافاً مختلفة وهو الدعم السريع. في هذا الواقع المعقد، قد يتراجع العداء التاريخي مع “الفلول” لصالح تشكيل جبهة موحدة ضد عدو جديد يُنظر إليه على أنه تهديد أكبر للدولة أو للمشروع الثوري، مما يدفع بعض الشيوعيين للتحالف مع الجيش الذي يُنظر إليه على أنه يمثل “الدولة”، حتى لو كان يحمل إرث الإسلاميين.

بيد أن ثمة شيوعيين يرفضون جملة وتفصيلاً الحديث عن تقرب الحزب رسمياً أو دعمه لأي طرف في الحرب الحالية، ويرون أن الصوت العالي داخلهم للتيار الذي يرى في الجيش مؤسسة دولة ويجب دعمه، يعكس ضعفه لذا يحاول تعويض الضعف برفع الصوت، وأن التحجج بأن كل المعارك مؤجلة لصالح المعركة الحالية تقدير غير سليم. مؤكدين في أحاديثهم ونقاشاتهم المتفرقة على أن إيمانهم بالتغيير الجذري يجعل أغلبية الشيوعيين يرون أهمية وضرورة المعركة الحالية، وأنه لا يمكن أن تكون هناك معارك مؤجلة فالعدو هو الحرب وأطرافها ومن أشعلوها، ولا يمكن بحال من الأحوال التطبيع ولو على مستوى الموقف مع الإسلاميين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار