السودان

علي أحمد يكتب: السودان بلا مشافٍ!

بقلم: علي أحمد

في بلدٍ تنتاشه الحروب من أطرافه، يبدو أن الأوبئة قد تسللت إلى قلبه بما هو أشد فتكًا من السلاح، حيث تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 70٪ من المرافق الصحية في السودان متوقفة عن العمل، إما بفعل قصف طيران الجيش أو بسبب انعدام الكوادر والمستلزمات، ما جعل البلاد عرضة لانفجار وبائي لم تشهد مثله منذ عقود.

في الخرطوم وحدها، تُسجَّل يوميًا عشرات الإصابات المؤكدة بحمى الضنك والكوليرا والملاريا، إلى جانب حالات وفيات في مناطق مثل الجزيرة وسنار والنيل الأبيض ودارفور، وسط انهيار تام لنظام الرصد الوبائي. والأنكى من ذلك أن غالبية المصابين لا يجدون أسرّة شاغرة، أو أمصالًا، أو حتى طبيبًا في بعض الحالات.

إنها جائحة صامتة تفتك بالفقراء في أطراف المدن، وفي معسكرات النازحين، وحتى وسط لاجئين عبروا من جحيم الحرب إلى ما ظنوه برّ الأمان. كل ذلك يحدث في ظل غياب الدولة ومؤسساتها عن المشهد، وتخلي المنظمات الدولية عن أدوارها، لأن حكومة بورتسودان لا تريد لها أن تعمل، باعتبارها منظمات جاسوسية واستعمارية.

الوباء هنا لا يأتي وحده، بل يوازيه جهلٌ جماعي وانقطاع معلوماتي، حيث لا تُبثّ حملات توعية عبر الإذاعة أو التلفاز، ولا تُوزَّع مطهرات أو ناموسيات، بل يُترك المواطن أعزل في مواجهة الفيروسات والجراثيم، كما هو في مواجهة الرصاص.

ما يحدث اليوم ليس فقط أزمة صحية، بل انهيار أخلاقي وإنساني كامل، تتحمل مسؤوليته حكومة بورتسودان وقيادة الجيش والمجتمع الدولي الصامت. وليس بعيدًا أن يتحول الوضع إلى كارثة إقليمية إذا لم يُلتفت إليه بجدية.

في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة إلى إعلان حالة طوارئ صحية عامة، وتوجيه الجهود نحو استعادة الحد الأدنى من البنية التحتية الصحية. السودان لا يحتاج إلى مبادرات سياسية جديدة بقدر ما يحتاج إلى عيادة ميدانية، وجرعة دواء، وممرضة تطرق الباب.

قبل أن تقتل الحرب من تبقّى، قد تتكفّل الأمراض بالمهمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار