كان الناس، في زمانٍ مضى، إذا ذُكر حزب الأمة، ارتفعت في الذاكرة صورة وطنٍ، ورجالٍ ونساءٍ نذروا أعمارهم للنضال، وأنصارٍ صدحوا بالحق في وجه الطغيان، وراياتٍ باذخاتٍ ترفرف فوق هامات العزّة والكبرياء.
كانت (أمة) تتوكأ على التاريخ، وتستضيء بقبسِ الإرث النضالي في سعيها نحو آفاق الحرية.
وكان اسم الإمام الصادق المهدي يُرتَّل في أفواه الوطنيين كما تُتلى الشهادات. حتى إذا ما ترجّل فارس المشروع الوطني عن صهوته، وتفرقت دماء المبادئ بين الانتهازيين، آل الأمر إلى قومٍ لا خُلق لهم ولا خلاق، والحال كذلك، برز اسمُ محمد عبد الله الدومة، فتصدّر الغفلة، وتزيّا بلبوس القيادة، وما كان في حقيقته إلا ظلّ رجلٍ فاته الضوء.
هذا المنبتّ، الذي نبتَ كالفطر على جدار الصدفة، لم يُعرف له مجدٌ في ميادين النضال ومضمار الكفاح، تسلّل من بين فراغات الأزمة، مدّعيًا الرياسة والكياسة، وما هو إلا حطامُ مشروع، ومقامرٌ بائسٌ على موائد الانقلابيين: فشل يوم أن كان صوتًا في المجتمع المدني، وخان الفكرة، وفشل يوم أن كان واليًا، فأصبح أزمة وخصمًا لا حكمًا، ويفشل اليوم سياسيًّا، ويخون الدم بعد أن صار رئيسًا مكلّفًا لحزبٍ هو أعلى من قامته الخفيضة.
وها هو ذا نراه اليوم، متكئًا على سراب السيادة وصون مؤسسات الدولة، وعلى شعار: “الحوار الوطني الذي لا يُقصي أحدًا”، يقود وفد حزب الأمة ويجلس بين يدي من اغتصب الدولة واحتطب ليلها، منحدرًا بالحزب من شاهق الوطنية إلى حضيض الابتذال، لا يختلف عن جماعات الموز وأحزاب التبعية والانتهازية، تلك الباحثة عن فتات الموائد في حضرة السقوط، ساعيًا إلى مواقع الرضا عند سلطة أمرٍ واقع، لا تملك أن تمنحه شيئًا سوى أنياب الدم!
أن يجلس وفد حزب الأمة تحت سقف رئيس سلطة الأمر الواقع، ويخاطبه بـ”معالي رئيس الوزراء”، لهو السقوط بعينه، والخطيئة التي لا يُغفر لها تأويل. فهذا الإقرار الظاهري بشرعية الانقلاب، ليس زلّة لسان، بل بيانُ نوايا، وانحرافُ مسار، ومبايعة لمن فجّر الدولة من داخلها، وفتح الأبواب الخلفية لعودة الحركة الإسلامية، بوجوهها القديمة وأنيابها المتجددة.
أيّ سيادةٍ هذه التي يتحدث عنها هذا الدَّعيّ؟ وأيُّ دعمٍ لمؤسسات الدولة يُراد، والدولة ذاتها قد هُدِمت بانقلاب 25 أكتوبر؟ من الذي فجّر بنيان الدولة، إن لم يكن البرهان وكيزانه؟ من الذي داس على الوثيقة الدستورية، وفتح أبواب البلاد لجحيم الحرب، وحوّل العاصمة إلى ساحة رماد؟ وماذا يعني “الحوار الذي لا يُقصي أحدًا”، إنْ لم يكن تمكينًا لبقايا الحركة الإسلامية وأحزابها من العودة إلى المشهد، من ذات الباب الذي أُخرجوا منه تحت هدير الشوارع.
ليُكتَب هذا اليوم في سفر الخزي، أن حزب الأمة القومي قد صافح القَتَلة، وداوى الطعنة ببيان، وتهاوى في دركٍ ما بعده إلا الذوبان. وإن لم تنتفض قواعد الحزب وتُطهّر بيتها من هذه القيادة، فإنها ستُكتب في دفتر الغدر، إلى جوار كلّ من باع السودان لحفنةٍ من الطغاة والقتلة.
عودوا إلى الإمام، أو تنحّوا عن إرثه، فالوطن لا يحتمل، والتاريخ لا يرحم، والثورات لا تغفر: والله لا يُصلح عمل المفسدين.