القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي محمد ضياء الدين
بقلم: محمد ضياء الدين
تظل ظاهرة تهافت التكنوقراط “المستقلين” على تقلّد المناصب في السلطة محيّرة بحق، لا سيما أن العديد منهم يمتلكون مؤهلات علمية رفيعة ومراكز مهنية مرموقة في أعرق الجامعات والمؤسسات العالمية. بعضهم يحمل جنسيات متعددة ولا يحتاج فعلياً إلى أي عائد مالي من مشاركته في الحكم، مما يثير تساؤلات جدية حول دوافعهم الحقيقية.
تبرز هذه الإشكالية بوضوح في الحالة السودانية، حيث يفاجئنا الواقع مراراً بانضمام شخصيات كان يُظن أنها “علمية” ومستقلة وبعيدة عن السياسة إلى أنظمة عسكرية، بشكل يصعب تبريره أخلاقياً أو سياسياً.
في واقع الأمر، يرى بعض التكنوقراط أن تولّي الوزارة يمثل إضافة نوعية لسيرهم الذاتية، تعزز فرصهم المهنية مستقبلاً، خاصة لدى المنظمات الدولية أو في مناصب رفيعة في بعض الدول التي تُقدّر الخبرات الوزارية وتكافئها بسخاء. كما أن هناك من يعتبر الاستوزار وسيلة لاكتساب “برستيج” إجتماعي خاص، يرفع من مكانته في أوساط النخب المحلية والدولية، حتى وإن أصبح منصب الوزير في السودان مستهلكاً إلى درجة فقدانه لأي قيمة معنوية.
ومع ذلك، تتعدى الأسباب هذا الجانب الشخصي، فهناك من ينخرط بدافع إحداث تغيير حقيقي أو تنفيذ أجندة إصلاحية، يظن نفسه” سوبرمان” قادراً على تحقيقها من داخل السلطة، ولو كانت عسكرية. ومنهم من يندفع تحت ضغوط مباشرة أو إغراءات خفية، سواء من قوى محلية أو دولية، ليصبحوا في النهاية مجرد “فلنقايات” في خدمة السلطة.
في هذا السياق، يصبح من شبه المستحيل الحديث عن وجود وزير أو رئيس وزراء مستقل فعلياً في ظل حكم عسكري، إذ أن الأنظمة العسكرية، بطبيعتها القابضة، لا تعيّن إلا من تضمن ولاءه أو توافقه مع أجنداتها، مهما كانت خلفيته.
ولا شك أن الوزارة تُعد من المؤسسات السيادية التي تتطلب مزيجاً من الكفاءة المهنية والخبرة السياسية معاً. فالمهارات التقنية ضرورية لفهم التخصصات وصياغة السياسات، بينما تظل الخبرة السياسية أساسية لفهم تعقيدات المشهد والتعامل مع توازنات القوى والتوافقات المجتمعية. لذا فإن الاعتماد على الكفاءة العلمية وحدها، دون خبرة سياسية، لا يؤدي إلى نجاح فعلي في إدارة الشأن العام، خاصة في مراحل إنتقالية معقدة.
ويبرز هنا تساؤل جوهري: لماذا لا يتم توظيف هذه الكفاءات الأكاديمية في المراكز العلمية والبحثية التي تتناسب مع مؤهلاتهم؟ وهو ما يحتاجه السودان بشدة في مرحلة ما بعد الحرب، بدلاً من إهدار طاقاتهم في مناصب سياسية صورية محكومة بقبضة العسكر.
الحقيقة المؤلمة أن إستغلال العسكر لهذه الكفاءات يهدف في الأساس إلى إستنزاف رصيدهم العلمي والإجتماعى لتلميع سلطتهم، بينما يقبل بعض التكنوقراط بهذا الدور، رغم إدراكهم التام بعدم مشروعية السلطة التي عينتهم.
وهنا تبرز إشكالية أعمق تتعلق بالدور الذي تلعبه القوى الغربية وبعض المنظمات الدولية في إختيار هؤلاء التكنوقراط تحت شعار “الكفاءات المستقلة”، وإعدادهم بعناية لتولي السلطة في حالات مشابهة للحالة السودانية. الهدف من ذلك هو صناعة واجهة مدنية مقبولة دولياً لإدارة فترات إنتقالية هشّة، خاصة في أعقاب الثورات الشعبية أو الحروب الأهلية، وذلك ضمن ترتيبات تُقصي الفاعلين السياسيين الحقيقيين تحت ذرائع مثل الإنكفاء على “إعادة بناء الأحزاب” أو “الاستعداد للانتخابات”.
هذا التوجّه في حقيقته لا يستهدف سوى إجهاض المرحلة الانتقالية وتفريغها من مضمونها السياسي، والتي تتطلب بالأساس قيادة سياسية من قلب الحدث الثوري، قادرة على تحقيق التحول المطلوب ومواجهة الدولة العميقة.
في ضوء ذلك، تُعد محاولات العسكر لإضفاء شرعية على حكمهم من خلال تعيين سلطة مدنية “مستقلة” شكلياً، مجرد حيلة مكشوفة لتمرير مصالحهم الخاصة وضمان بقائهم في الحكم. كما يكشف تهافت بعض التكنوقراط على المناصب، رغم علمهم بطبيعة السلطة التي عيّنتهم، وعن تورطهم في لعب دور “المحلل الشرعي المدني” لسلطة عسكرية تسعى لاكتساب شرعية زائفة بأي ثمن.