السودان

منعم سليمان يكتب: كامل إدريس .. هذيانُ مخبول وتجسيدُ انحطاط!

بقلم: منعم سليمان

شاهدتُ مقابلةً مقتضبةً مع كامل إدريس – كميل إدريس – رئيس وزراء سلطة الأمر الواقع التي نصّبها الكيزان/البرهان في بورتسودان، أجرتْها معه مراسلة راديو بلو الكولومبي في نيويورك.

وعندما سألته عن “المرتزقة الكولومبيين”، أجاب قائلاً: (.. ناشدنا الرئيس والشعب الكولومبي، وكانت الاستجابة إيجابية، لكن لا رقم دقيق لدينا لعدد المرتزقة. نأمل ألّا نراهم في السودان، بل نريد أن نرى الأدب والشعر الكولومبي..!) – وعلامة التعجب من عندي.

وأستطيع القول، بعد مشاهدتي وسماعي لتلك المقابلة، إن المرحلة البئيسة التي بلغها هذا الرجل لم تعد تحتمل نقاشًا سياسيًا رصينًا أو سجالًا عقلانيًا؛ فقد تجاوزت حالته حدود الكتابة والنقد والتوجيه.

وإذا كان هناك ثمة ما ينبغي فعله، بدوافع وطنية أو إنسانية، فهو الكتابة إلى أهله وعائلته ومن يهمهم أمره، ومناشدتهم بأن يُحال إلى مصحٍّ عقلي أو دار رعاية، حيث يُطعم طعاماً صحياً ويُسقى كتباً صوتية لأدباء أميركا اللاتينية؛ فلعل في صوت نيرودا أو إليندي أو ماركيز دواءً يخفّف حُمّى الحرمان العاطفي كما الأدبي التي يعاني منها، ويكبح حالة الهذيان التي تأكل عقله!

منذ أن نُصبت شماعة الكولومبيين في حرب السودان، والرجل يتصرف كطفل يعبث بالأسماء، لا يفتأ يجرّ برموز الأدب اللاتيني إلى مسرح لا شأن لهم به. يزجّ ببابلو نيرودا وإيزابيل إليندي – وهما من أعظم أدباء تشيلي – في حديثه عن كولومبيا، وحسناً أنه لم يسمع حتى الآن بغابرييلا ميسترال!

لا يكتفي بهذا، بل يستدعي غابرييل غارسيا ماركيز، أعظم أديب وروائي كولومبي عالمي، ليُجلسه بجوار المرتزقة، حتى ليخال للسامع أنّ جمهورية كولومبيا ليست سوى رقعة جغرافية قصيّة؛ نصفها أدباء ونصفها الآخر مرتزقة!

ووفقًا لهذا القياس الأعوج المريض، أيجوز لنا أن نستحضر أعلام الأدب الفارسي التاريخي العريق، مثل عمر الخيام وحافظ الشيرازي، لمجرّد أن الحرس الثوري الإيراني يشارك في قتل السودانيين؟ وهل يجوز أن نلوّث الحضارة الإثيوبية الأكسومية العريقة لمجرّد أن مرتزقة من التقراي يقاتلون مع الجيش ويذيقون السودانيين في ولاية الجزيرة الأمرّين؟!

إنّ هذا الخلط بين الحاضر والتاريخ، وبين الأدب والسياسة، وبين الخيال والوهم، ليس إلا علامةَ مرضٍ فكري وتدهورٍ نفسي وعقلي عميق يستدعي الشفقةَ لا الجدل والكتابة.

فالسياسة ميدانٌ للعقل وفنّ الممكن، لا ساحة للتهويمات الأدبية والخيالات المبتذلة. وأيّ ربطٍ اعتباطي بين شعوب عظيمة وإرثها الثقافي بظواهر عسكرية عابرة ليس إلا إهانة للمنطق وإساءة إلى الأدب والإنسانية معًا. وما يفعله هذا المتوهِّم المريض لا يُحسب على السياسة بقدر ما يُحسب على الهذيان!

أراد الرجل أن يعلو بالخطاب كذبًا وادعاءً وتفخيمًا، فإذا به يهوي بنا إلى أسفل سافلين، ويسقط هو نفسه في هاويةٍ سحيقةٍ من السخرية؛ وأراد أن يتقنّع بقناع المثقف، فإذا به يفضح جهله وفراغه المعرفي، ويحوّل مأساتنا الوطنية إلى مسخرةٍ لفظية ومهزلةٍ خطابية!

إنّ كميل إدريس يمثل تعبيراً صارخاً عن مرحلة الانحطاط التي تعيشها بلادنا. وحين يذكره تاريخ السودان، فلن يورده في سجلّ القادة أو السياسيين أو الأدباء، بل كدَعيٍّ مريض عاش بين الأوهام، يخلط بين كولومبيا وبورتسودان، بين ماركيز ومرتزقة، وبين الأدب والحرب.

ما أقسى أن تتحوّل مأساة شعب إلى أضحوكة، وما أعظم أن يتحوّل الأدب – مرآة الروح الإنسانية – إلى أداة في يد ممسوس ومخبول لا يفرّق بين الدم والحبر!

*نبكيك أيها الوطن الحبيب.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار