السودان

في اجتماع غير معلن: قوى مدنية تبحث عن مخرج سياسي للصراع في السودان

تقرير: راينو

في ظل الصمت الذي يخيّم على الحياة السياسية السودانية منذ اندلاع الحرب، ومع استمرار الانهيار المؤسسي والانقسام المجتمعي، التقت مجموعة واسعة من القوى المدنية والسياسية في اجتماع غير معلن بإحدى العواصم العربية، بدعوة من منصة “قدامى المحاربين”، التي أُتيحت كمجال مفتوح لتجميع القوى المدنية والنقاش حول سبل الخروج من المأزق الوطني.

وبحسب مصادر تحدثت لـ”الهدف”، فإن الاجتماع شكّل محاولة نوعية لإعادة وصل ما انقطع، وفتح نوافذ تنسيق بين مكونات تحالف “صمود” ومبادرات مدنية أخرى، إلى جانب قوى حزبية وشخصيات عامة، في سياق السعي لتأسيس جبهة ديمقراطية موحدة قادرة على وقف الحرب وبناء مسار مدني جديد.

اجتماع واسع ونقاشات صريحة:

ضم الاجتماع طيفًا متنوعًا من القوى السياسية، شمل حزب الأمة القومي، الحزب الاتحادي الديمقراطي – جناح الحسن، الاتحادي الموحد، حزب البعث السوداني، والمؤتمر الشعبي، إلى جانب ناشطين مدنيين وممثلي مبادرات مستقلة.

وبحسب المصادر ذاتها، فقد سادت أجواء إيجابية ونقاشات مفتوحة حول مستقبل العمل المدني، مع تأكيد الحاضرين على ضرورة وقف الحرب ورفض بقاء الوضع الراهن الذي وصفوه بـ”الكارثي”.

وأجمعت المصادر على أن اللقاء مثّل خطوة أولى مهمة، دون أن يحمل صفة الإشهار الرسمي، لكنه وضع أساساً لمشاورات مدنية أوسع وأكثر عمقًا في الأسابيع المقبلة.

ورقة رؤية سياسية لتوحيد المدنيين:

في سياق الاجتماع، قدّم أحد الأطراف ورقة مكتوبة تضمنت تصوراً شاملاً لتوحيد القوى المدنية في السودان، تناولت أبرز التحديات، وقدّمت مقترحات عملية عبر أربعة محاور مركزية: بناء قاعدة شعبية متجددة عبر لجان مدنية توثق الأضرار وتستجيب للاحتياجات، إلى جانب مبادرات مجتمعية تعزز النسيج الاجتماعي وتعيد الاعتبار للمواطن في قلب العمل السياسي، بالإضافة إلى توحيد الصف المدني بعقد مؤتمر وطني جامع، وتشكيل مجلس قيادي مدني يمثل كافة القوى والمبادرات، والابتعاد عن الاعتماد على الخارج، مع تنويع مصادر الدعم والتمويل. ثم محور حول خطة تفاوضية مع الأطراف المسلحة تضمن الوقف الفوري لإطلاق النار، وإعادة هيكلة الدولة، واستبعاد قادة الحرب من المرحلة الانتقالية، واخيراً محور حول استراتيجية تفكيك وتحليل التيار الإسلامي دون استعداء قاعدته المجتمعية، مع توجيه خطاب عقلاني يحيّد الفئات المترددة أو القابلة للاستقطاب.

كما تضمنت الورقة آليات تنفيذ وضمانات رقابية ومحاسبية، مع التأكيد على الدروس المستفادة من تجارب الانتقال السابقة، وتحديد دور المجتمع الدولي في الضغط على معرقلي السلام. وبحسب الحاضرين، فقد لقيت الورقة اهتماماً واسعاً، واعتُبرت مسودة أولى قابلة للتطوير في مشاورات لاحقة.

تحركات إقليمية متزامنة:

بالتوازي مع الاجتماع، شرع تحالف “صمود” في تحركات خارجية نشطة، شملت عددًا من العواصم الأفريقية ضمن جولة إقليمية تهدف لحشد الدعم السياسي والمجتمعي للمشروع المدني، بحسب ما أفادت مصادر تحدثت لـ”الهدف”. وفي جنوب أفريقيا، أجرى رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك سلسلة لقاءات رفيعة مع قيادات فكرية وسياسية أفريقية، ناقش خلالها سبل وقف الحرب، ومستقبل العملية السياسية، وآليات تعزيز الحضور المدني في أي تسوية مقبلة. ووصفت المصادر هذه اللقاءات بأنها “جس نبض سياسي وإقليمي” لتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بالمشروع المدني.

علامات لمشهد مدني جديد:

يرى مراقبون تحدثوا لـ”الهدف” أن تزامن الاجتماع الداخلي الذي دعت له منصة “قدامى المحاربين” مع التحركات الإقليمية لتحالف “صمود” يشير إلى بداية تشكل مشهد مدني مغاير، يعيد تنظيم أوراق القوى المدنية، ويفتح بابًا لحوار وطني حقيقي، يستند إلى إرادة سياسية نابعة من الداخل.

ورغم أن صيغة الاجتماع لا تحمل إعلاناً ائتلافياً صريحاً، إلا أن دلالاته التنظيمية والسياسية، بحسب المتابعين، تعبّر عن توق حقيقي لكسر الجمود، وإعادة الاعتبار للدور المدني في المشهد الوطني السوداني.

ويشير المراقبون إلى أن التناغم بين الحراك الميداني والاجتماعي في الداخل، والنشاط السياسي الإقليمي في الخارج، قد يُثمر، على المدى المتوسط، عن نواة لخارطة سياسية مدنية أكثر تماسكًا، تحدّ من سطوة السلاح، وتفتح الباب أمام تسوية متوازنة، تقود إلى سلام عادل وانتقال ديمقراطي حقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار