راينو: وكالات – “أجّرت منزلي لأعيش لا لأُقتل” — كانت هذه الكلمات آخر ما نُقل عن المواطن السوداني عبدالسلام، ضحية جريمة بشعة هزّت وجدان سكان حي الثورة الحارة العاشرة، الشارع الثاني من اتجاه إشارة مرور “استوب” شقلبان.
بداية القصة: خلاف إيجار يتحول إلى مأساة:
عبدالسلام، رجل بسيط عرفه الجميع في الحي بـ”الزول الدرويش”، يسكن منزله المتواضع مع زوجته وأبنائه، ويعتمد في مصدر دخله على تأجير جزء من المنزل. لا يملك وظيفة ولا مورد رزق ثابت، لكنه كان يعيش بسلام.
قام بتأجير جزء من منزله لسيدة تعمل بائعة شاي. وذات يوم، ذهب إليها مطالبًا بدفع متأخرات الإيجار، وهو مبلغ زهيد لا يتجاوز مئة ألف جنيه — مبلغ لا يعادل نصف إيجار أي منزل في ذات المنطقة. تطور النقاش بينهما، وتوعدها عبدالسلام بالطرد إن لم تدفع، لأنه بحاجة ماسة لذلك المال.
حضر بعض الجيران محاولين حل الخلاف، لكن السيدة ـ وبشهود ـ توعدت عبدالسلام قائلة: “سأقيم لك حفلة عديل!”. وما إن مر وقت قصير حتى نفّذت تهديدها.
الكمين: تدخل القوات المشتركة:
في يوم الواقعة، جاءت قوة من أفراد القوات المشتركة، يدّعون أنهم إخوتها. هاجموا عبدالسلام أمام جيرانه، وجهوا السلاح إلى رأسه، رفعوه بالقوة إلى ركشة، وانهالوا عليه ضربًا وركلاً بالبُوت. شاهد الجميع الموقف، لكن لم يتدخل أحد خوفًا أو دهشة. تدخل أحد الضباط من أبناء الحي، وكاد أن يُؤذى بدوره لولا تدخل عناية الله، حيث حضرت سيارة “تاتشر” تابعة للجيش، وتحدث أفرادها للقوة المهاجمة قائلين إن من حقهم فقط رفع شكوى إلى الشرطة، وليس أخذ المواطن بالقوة.
الافتراء الكبير: بلاغ كيدي بالاغتصاب:
رغم إنهاء الخلاف في قسم شرطة التقانة وعودة عبدالسلام إلى منزله، لم تنته المأساة. في اليوم التالي، تفاجأ عبدالسلام وأهله ببلاغ من الشرطة يتهمه باغتصاب طفلة تبلغ من العمر سبع سنوات، يُدّعى أنها ابنة السيدة التي استأجرت منه المنزل.
ورغم أن البلاغ يفتقر لأي سند قانوني — فلا توجد شهادة ميلاد للطفلة، ولا إثبات بأنها ابنة السيدة، ولا تقرير طبي من طبيب شرعي وإنما فقط من طبيب عمومي — تم توقيف عبدالسلام، ومنذ لحظة دخوله قسم شرطة الثورة الرابعة بدأ مسلسل تعذيب ممنهج.
جريمة داخل القسم: تعذيب، تجويع، وابتزاز:
تم تعذيب عبدالسلام تعذيبًا وحشيًا: ضربوه بالنار في صلبه، وجُلد في أنحاء جسده، ومُنع من الأكل والشرب والعلاج. زُجّ به في زنزانة واحدة مع شقيق السيدة، الذي عرض عليه “الصلح” مقابل التنازل عن المنزل وكتابته باسم المستأجرة، في مقابل إسقاط التهمة الملفقة. كل هذا تم بعلم ومعرفة بعض أفراد الشرطة، الذين بدلاً من حماية المواطن، شاركوا في مؤامرة لابتزازه وسرقة منزله تحت التعذيب.
كان أقاربه يأتون له بالطعام، ولكن الشرطة كانت تمنعهم من إدخاله. وعندما تدهورت صحته بشدة، طلبت أسرته تصريحًا لنقله للمستشفى، لكن الشرطة أعادته دون أن تُجري له الفحوصات.
وفي يوم الخميس، الموافق وقفة عرفة، زاره أقاربه فوجدوه ملقى على الأرض داخل القسم، والنمل ينهش جسده، دون أن يحرّك هذا المنظر إنسانية أي من رجال الشرطة. إلى أن حضر ضابط من أبناء الحي (ينتمي إلى جهاز أمني سابقًا) فتمكن من انتزاع تصريح لنقله إلى المستشفى، بعد معاناة طويلة، في اليوم التالي، الجمعة، أول أيام عيد الأضحى المبارك، توفي عبدالسلام.
محاولات طمس الحقيقة:
قامت إدارة المشرحة بتسجيل سبب الوفاة على أنه “هبوط حاد”، ولم يُسجل أي أثر للتعذيب رغم وضوح العلامات في جسده. كما قام بعض أفراد القسم بمحاولة طمس الأدلة، وحجب التقارير، والتعتيم الكامل على ظروف الوفاة.
صوت الحي: لن نصمت:
رغم كل ذلك، أبناء الحي يشهدون على الحقيقة، ويؤكدون أن القضية مفبركة، وأن عبدالسلام كان ضحية مؤامرة دنيئة، تواطأ فيها بعض أفراد الشرطة والقوات المشتركة، وأشاروا إلى ـنه “حتى الطفلة التي تم استخدامها في البلاغ الكيدي، ما تزال تلعب في الحي غير مدركة أن والدتها تسببت في إزهاق روح بريئة من أجل أطماع شخصية”.