إحباط عام يتسيد أوساط النازحين واللاجئين السودانيين عقب ما رشح بشكل غير رسمي حتى الآن، عن تعليق الوساطة السعودية الأميركية في منبر جدة – الراعية لمفاوضات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع – إلى أجل غير مسمى، بسبب عدم التزام الطرفين بما تم الاتفاق عليه سابقاً في تنفيذ إجراءات بناء الثقة، وإنهاء الوجود العسكري في المدن الرئيسية، والملف الانساني. وساهمت الخطوة في إشعال العديد من التكهنات حول أسباب التعليق، ومدى تورط منسوبي النظام المُباد في إفشال الجولة، وما هو بديل المنبر؟ والسيناريوهات المتوقعة حال تمت استعادة المنبر لسطوته، وصولاً لتوقيع اتفاق سلام حقيقي.
أسباب الفشل:
على الرغم من عدم صدور أي تصريحات أو بيانات رسمية من الوساطة أو الميسرين في منبر جدة، تفيد بمبررات تعليق التفاوض، إلا إن ارتفاع سقف التوقعات الإيجابية، زاد من الإحباط، على خلفية ما شهدته المدينة السعودية الساحلية من مؤشرات، بتوقيع الطرفين في السابع من نوفمبر الماضي على خطوات خاصة بالملف الإنساني، وأخرى ترتبط بإجراءات بناء الثقة، وعلى رأسها إلقاء القبض على الإسلاميين الفارين من السجون، والمتسببين في اشعال الحرب.
ولعل ذلك ما دفع قائد الجيش (عبد الفتاح البرهان)، لإصدار قرار – حسب تقارير إعلامية الاسبوع الماضي – بتشكيل لجنة برئاسة وزير الداخلية، بهدف القبض على منسوبي النظام البائد الفارين من السجون، والضالعين في إشعال حرب الخامس عشر من أبريل، تنفيذاً لإجراءات بناء الثقة. وحينها قال مصدر شرطي رفيع لـ(راينو)، أن اللجنة تضم أعضاء من وحدات السجون، والشرطة الأمنية، والمباحث المركزية. وأنها حددت أماكن تواجد رموز نظام الإنقاذ في كل من بورتسودان وعطبرة وكسلا والقضارف، وبعض القرى والمدن بالولاية الشمالية. وأضاف المصدر:(من المتوقع أن تبدأ إجراءات القبض عليهم في أي لحظة بعد أن باشرت اللجنة أعمالها).
وأشارت مصادر متطابقة لـ(راينو) وقتها، إلى وجود انقسام داخل الجيش حيث ترى بعض قياداته الرفيعة – و منهم الفريق ياسر العطا و مدير جهاز المخابرات أحمد إبراهيم مفضل – أن الوقت (غير مناسب) ، لتسليم رموز النظام البائد، وقالوا إن ذلك سيؤدي لخروج الكتائب الجهادية التي تقاتل إلى جانب الجيش من المعركة، مما يضعف من موقف الجيش العسكري و الميداني. بينما يرى آخرون ضرورة الالتزام بإجراءات بناء الثقة الموقع عليها في السابع من نوفمبر الماضي، والوفاء بها أمام الوسطاء، والإتحاد الأفريقي، والإيقاد، والمجتمع الإقليمي والدولي.
تعليق متوقع:
التحليلات تذهب إلى أن خطوة تعليق المنبر لم تفاجئ القيادة العسكرية للجيش السوداني، وإنما هو ترتيب ممنهج، للوصول الى خطة إفشال التفاوض وترجمته في المحصلة الصفرية، مستدلين على ذلك باستباق تعليق المنبر بخطاب للجنرال (البرهان) بمدينة ود مدني وسط السودان، قال فيه بأنهم “لن يقبلوا بتفاوض لا يلبي رغبات الشعب السوداني”، مشدداً على رفض التفاوض مع قوات الدعم السريع بنحو لا يلبي تطلعات الشعب السوداني، منتقداً القوى السياسية التي اتهمها بتقديم الدعم لمن أسماها “المليشيا المتمردة”.
ويتمسك وفد الجيش بإخلاء المدن من وجود قوات الدعم السريع، وتجميعها في معسكرات. كما يشدد على ضرورة خروج عناصر الدعم من منازل المواطنين كمطلب أساسي، يُضاف إليه إزالة نقاط التفتيش والارتكازات العسكرية التي نصبتها قوات الدعم السريع في شوارع رئيسية بالعاصمة، طوال الأشهر الماضية.
وقال البرهان الذي خاطب ضباط وضباط صف وجنود الفرقة الأولى مشاة بمدينة (ود مدني)، إن أي مفاوضات سلام لا تلبي رغبة الشعب السوداني لن تكون مقبولة، و”لا حلول ستفرض علينا من الخارج”. وأكد البرهان استمرار ما اسماه “معركة الكرامة”، لهزيمة الدعم السريع “بعزيمة وإصرار القوات المسلحة ودعم ومساندة الشعب السوداني”.
ويستند المقتنعون بفرضية أن إفشال المنبر تم الترتيب له، على أن البرهان استبق تعليق المنبر بوقت وجيز بجولة لدول جوار اقليمية، وأجرى محادثات مع الرئيس الجيبوتي رئيس الدورة الحالية للإيقاد، لبحث ترتيبات عقد قمة طارئة للمنظمة حول السودان، وأعقب ذلك لقاء مع السكرتير التنفيذي للإيقاد (ورقني قبيهو)، تم فيه مناقشة المفاوضات غير المباشرة في منبر جدة، والعقبات التي تعترض سبيل الوصول إلى اتفاق.
ويرى البعض ان تلك التحركات لم تكن سوى إعداد للمسرح الأفريقي لإعادة الملف السوداني للحاضنة الأفريقية عبر الإيقاد، بهدف تقليل الضغوط على الجيش وأنصار الحرب، باعتبار أن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، لديهم أوراق ضغط أكبر وأقسى من الاتحاد الأفريقي، ومنظماته الاقليمية.
من المستفيد؟
أصابع الاتهام تشير مجددا للإسلاميين وعناصرهم العسكرية داخل الجيش، باعتبارهم المستفيد الأكبر من إفشال أي عملية تفاوضية تفضي لإيقاف الحرب، التي لم يعد خافياً تورطهم في إشعالها. من جانبه قطع المحلل السياسي (أشرف عبد العزيز) في حديثه لـ(راينو) بتأثر مستقبل الاسلاميين السياسي حال وصول منبر جدة إلى اتفاق وقف إطلاق نار بين الطرفين المتحاربين. وقال:(في حال توصل منبر جدة لاتفاق وقف إطلاق نار، فإن ذلك سيؤثر على مستقبل الإسلاميين، لأن الاتفاق يعني تنفيذ إجراءات بناء الثقة قبل التوقيع). وزاد:(هذا يعني عودة قيادات مؤثرة إلى السجون مرة أخرى وفقدان الحركة للصلة مع كبار العسكريين والتنظيم السري داخل الجيش).
وشدد أشرف على إنه ومن الناحية السياسية، سيفقد الإسلاميون كثيراً، حال الوصول إلى سلام عبر منبر جدة، لأن العملية السياسية التي تلي ذلك، لن تضمن لهم مقعداً للمشاركة، وبالتالي هم يحاولون باستماتة، عرقلة أي جهود لوقف الحرب.
ذات الوجهة يتفق معها الصحفي والمحلل السياسي المقرب من دهاليز التفاوض (عثمان فضل الله)، ويذهب إلى أنه في حال تم توقيع في منبر جدة، فإن وجود الإسلاميين في الساحة السياسة فيه مشكلة كبيرة جداً، وقال لـ(راينو):(الاسلاميون مسؤولون مسؤولية مباشرة عن الحرب والدمار والخراب في الخرطوم ودارفور، بالتالي بمجرد التوقيع، سيتم طرح سؤال اساسي “من الذي تسبب في الحرب؟”، وستتكشف أنها صنيعتهم من الألف إلى الياء، بالتالي فحتى إن وجدوا أو استمروا سياسياً، سيتم عزلهم اجتماعياً عزلاً كبيراً، وتابع:(الإسلاميون ضيقوا الفرص على أنفسهم، وكان يمكنهم استغلالها في الفترة السابقة لمراجعة افكارهم وتجربتهم وتنظيمهم، وإنشاء تنظيم جديد يمكن الدخول به في فترة ما بعد الانتقال.
واعتبر (فضل الله) أن الإسلاميين حالياً، (لفوا حبل المشنقة حول رقابهم)، بالإضافة إلى فقدانهم في هذه الحرب، الكثير من الكوادر المدنية والعسكرية، التي كان يمكن أن توفر لهم إسناد، خلال أي انتخابات مُقبلة.
مستقبل الإسلاميين:
ونبه عثمان إلى أهمية عدم النظر إلى الإسلاميين باعتبارهم كتلة واحدة تطالها اتهامات ما يحدث حالياً في السودان، وقال: لكن ايضا لا يمكن النظر للإسلاميين ككتلة واحدة، فذلك فيه شيء من علامات الاستفهام، لأنه يوجد العديد من الإسلاميين خارج الذي يجري الآن، ولا يجوز محاسبتهم بما فعله الآخرين لا سياسياً ولا أخلاقياً، ومع ذلك سيشملهم ذات العزل، وإن كان بدرجة أقل، واعني هنا مجموعة “الشعبي”، التي كان لها موقف واضح من انقلاب (25) أكتوبر، ولها أيضاً موقف من الحرب الدائرة الآن. لكن كما يقولون في المثل السوداني، “الخير يخص والشر يعم”، وبالتالي سيعمهم الشر الذي أحدثته المجموعة التي تبنت خيار الحرب، وتبنت الأجندة الحربية .
وخلص (فضل الله) الى أنه لا يرى أي مستقبل للإسلامين، حال تم توقيع اتفاق حقيقي ما بين الجيش والدعم السريع، وأضاف:(أعتقد إذا تم النظر للاتفاق نفسه، وما يطرحه الدعم السريع من عداء سافر تجاه الاخوان المسلمين أو الإسلاميين، ستحدث مشنقة حقيقية بعد توقيع اتفاق السلام في ظل الظروف العسكرية الراهنة، ما لم يحدث تغيير عسكري، يمكن أن ينقذهم من حبل المشنقة المادي، لكنه لا ينقذهم من المشنقة السياسية.