السودان

تعيينات البرهان الأخيرة: ماذا يريد الجنرال من هندسة سلطة في خضم الحرب؟

تقرير: راينو – في خضم أتون الحرب الأهلية المستعرة التي تمزق السودان، وبينما تئن مؤسسات الدولة تحت وطأة الانهيار الشامل وتتفاقم الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، مضى قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في إصدار سلسلة من المراسيم التي تحمل في طياتها تعيينات مفصلية ومثيرة للجدل. هذه التحركات المكثفة في قلب الأزمة تطرح تساؤلات ملحّة تعصف بالأوساط السياسية والمحللين بشأن الأهداف السياسية الكامنة خلف هذه الخطوات المتتالية للجنرال الذي يسعى لهندسة هيكل سلطوي جديد في خضم فوضى الحرب.

رئيس وزراء ومجلس سيادة جديد:

شهد يوم 19 مايو 2025 قراراً محورياً، حيث أصدر البرهان مرسوماً دستورياً يقضي بتعيين الدكتور كامل الطيب إدريس عبد الحفيظ رئيساً للوزراء. يُعد هذا التعيين الأول في هذا المنصب منذ استقالة الدكتور عبد الله حمدوك في يناير 2022، ويأتي بعد اعتذار السفير دفع الله الحاج علي، الذي كان قد كُلّف مؤخراً بمهام وزير شؤون مجلس الوزراء وتسيير مهام رئيس الوزراء في 30 أبريل 2025.

ولم تتوقف التعيينات عند هذا الحد، ففي خطوة أخرى، أعلن البرهان عن ضم امرأتين إلى عضوية مجلس السيادة الانتقالي، وهما سلمى عبد الجبار المبارك ونوارة أبو محمد محمد طاهر، لتمثلا شرق ووسط السودان على التوالي. اللافت في هذا السياق هو قرار البرهان في مرسوم منفصل بإلغاء إشراف أعضاء مجلس السيادة على الوزارات الاتحادية والوحدات الحكومية، مما يثير تساؤلات حول تركيز السلطة التنفيذية في يد رئيس الوزراء المعين، وتحويل دور أعضاء مجلس السيادة إلى دور شرفي أو تشريعي محدود.

تأتي هذه التحركات في إطار تعديلات دستورية كانت قد أُقرت في 19 فبراير الماضي، والتي منحت مجلس السيادة سلطة تعيين وإعفاء رئيس الوزراء بتوصية من السلطة التشريعية الانتقالية. كما مدت هذه التعديلات الفترة الانتقالية إلى 39 شهراً، بدأت فعلياً من 23 فبراير 2025، وذلك في حال عدم التوصل إلى توافق وطني أو قيام انتخابات جديدة.

توقيت هذه القرارات، الذي يتزامن مع تعثر مسارات التسوية السلمية، وتضعضع الجبهة العسكرية والسياسية للجيش في مناطق واسعة من البلاد، يعيد إلى الواجهة السؤال الجوهري: هل يسعى البرهان لترسيخ سلطة عسكرية مقنّعة بواجهة مدنية، استعداداً لتسوية محتملة أم لمرحلة ما بعد الحرب التي تبدو بعيدة المنال؟

كامل الطيب إدريس في المشهد:

الدكتور كامل الطيب إدريس هو دبلوماسي وأكاديمي سوداني ذو مسيرة مهنية موصوفة بالبارزة، شغل منصب المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) بين نوفمبر 1997 وسبتمبر 2008، كما تولى أمانة الاتحاد الدولي لحماية الأصناف النباتية الجديدة. سبق أن ترشّح لرئاسة الجمهورية ضد الرئيس المعزول عمر البشير في انتخابات عام 2010.

إلا أن اسم الدكتور إدريس عاد للواجهة بقوة في عام 2006 إثر تحقيق داخلي في المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) بشأن مزاعم تزوير محتمل لتاريخ ميلاده وسيرته الذاتية. وفقاً لمنشورات تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي وادعاءات تستند إلى “تقرير سري للجنة تحقيق شكلتها الويبو”، اتُّهم إدريس بتغيير سنة ميلاده من 1945 إلى 1954، وبرر ذلك بأنه “خطأ مطبعي”. غير أن التحقيق أشار إلى أن الخطأ لم يُكتشف إلا بعد 24 عاماً، وأن الدكتور إدريس وقع على 12 وثيقة سفر وغيرها من الوثائق الرسمية التي كانت تحمل تاريخ ميلاد 1945.

وكشف التحقيق عن تضارب في تواريخ ميلاد الدكتور إدريس في وثائق رسمية مختلفة، حيث تم تغيير تاريخه في ملفات الويبو من 1945 إلى 1954 في أبريل 2006، رغم أن جواز سفره ورخصة قيادته السويسرية كانا يحملان تاريخ 1954. وقد أشار المحققون إلى تناقضات بين طلب توظيفه عام 1982 الذي استخدم تاريخ 1945، وبين وثائقه الأخرى. كما أثيرت تساؤلات حول الفرص التي أتيحت له لتصحيح هذه المعلومات منذ عام 1997، عندما تولى منصب المدير العام للمنظمة.

وخلص التقرير إلى تضارب في المعلومات حول المؤهلات العلمية والخبرة العملية بين استمارة عام 1982 وسيرته الذاتية اللاحقة. فمثلاً، ادعى توليه مناصب قومية في سن مبكرة (بين 13-16 عاماً) لو كان تاريخ ميلاده 1954. وثائق أخرى مثل جواز سفر دبلوماسي سوداني وبطاقات دبلوماسية سويسرية وجوازات من الأمم المتحدة أظهرت أيضاً تناقضات في تاريخ ميلاده، مع طلب السلطات السويسرية لشهادة ميلاد موثقة في عام 2006، والتي بدورها أظهرت تناقضات وادعاءات بتزويرها.

وأكد التقرير أن الدكتور إدريس استفاد وظيفياً من استخدام تاريخ ميلاد 1945، حيث جعله مؤهلاً لمتطلبات خبرة معينة لمناصب دولية عليا. ورغم أن إدريس لم يُدن قانونياً في تلك المزاعم، فإن الغموض المحيط بسيرته الرسمية، وتضارب بياناته الأكاديمية والوظيفية، قد يجعلان منه شخصية مثيرة للجدل في موقع يتطلب قدراً عالياً من المصداقية والوضوح، خصوصاً في ظل أزمة وطنية خانقة وحاجتها الماسة للشفافية.

غايات الجنرال ورهاناته في حرب خاسرة:

تُظهر قرارات البرهان الأخيرة توجهًا واضحًا لإعادة ترتيب هيكل السلطة من أعلى الهرم، على نحو يضمن له مزيدًا من التحكم في مفاصل الدولة، خاصة بعد التعديلات الوزارية السابقة التي أجراها في 30 أبريل 2025. تلك التعيينات شملت تكليف السفير دفع الله الحاج علي بمهام وزير شؤون مجلس الوزراء وتسيير مهام رئيس الوزراء (قبل اعتذاره لاحقاً)، وتعيين عمر محمد أحمد صديق وزيراً للخارجية، والتهامي الزين حجر وزيراً للتربية والتعليم.

يأتي توقيت هذه التعيينات في لحظة حرجة للغاية، حيث يحتدم القتال الضاري في مدينة الفاشر، وتُفرض وقائع ميدانية متغيرة لصالح قوات الدعم السريع في مناطق واسعة من دارفور والعاصمة الخرطوم بل وتهديدات مباشرة على كامل شرق السودان وبورتسودان تحديدا.

في هذا السياق يرى البعض أن هذه التعيينات، محاولة يائسة من البرهان لتثبيت صورة “الدولة الرسمية” رغم انهيارها الفعلي على الأرض. وإنها محاولة لإعادة بناء رمزية الدولة عبر إضفاء الشرعية على أسماء وألقاب ومناصب، بدلاً من التركيز على إعادة بناء الدولة نفسها ومؤسساتها المدنية الفاعلة.

ويرى المحلل السياسي عثمان فضل الله في حديثه لـ”راينو” أن تعيينات البرهان الأخيرة، وعلى رأسها تسمية رئيس وزراء، لا تبدو منفصلة عن السياقين الداخلي والخارجي اللذين يضغطان على سلطته. وقال:”على الرغم من أن البرهان يحتفظ بكامل الصلاحيات التنفيذية والعسكرية، إلا أن هذه الخطوة تُقرأ كجزء من محاولاته لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم تعزيز شرعيته، داخليًا وخارجيًا”.

الهدف من التعيينات رغم تركّز الصلاحيات بيده؟

وأضاف عثمان: “البرهان لا يسعى لتقاسم السلطة فعليًا، بل يعمل على إعادة إنتاجها بصيغة تبدو “مدنية” أمام المجتمع الدولي، دون أن يُفرط في سيطرته العسكرية. والتعيينات تعكس سعيًا لترميم واجهة الدولة، لا تغيير بنيتها، بهدف إضفاء طابع مؤسسي على حكم عسكري فعلي”.

توقيت التعيينات حسب فضل الله، مرتبط بجملة من العوامل، ابرزها تصاعد الضغوط الدولية، اتساع رقعة الحرب، وتدهور الوضع الإنساني. واضاف:” البرهان يدرك أن استمرار غياب سلطة مدنية يهدد فرص الدعم الخارجي، ويعزز موقف خصومه، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو في صفوف الحراك المدني والمعارضة السياسية”.

ويذهب عثمان إلى أن تعيين رئيس وزراء جاء استجابة للمجتمع الدولي، واستدرك: لكنّ الاستجابة شكلية أكثر من كونها جوهرية. فالمجتمع الدولي طالما طالب بحكومة مدنية ذات صلاحيات فعلية، وهذا التعيين لا يلبي ذلك الشرط بقدر ما يقدم “واجهة مدنية” ضمن سلطة يهيمن عليها الجيش. بعبارة أخرى، البرهان يراهن على أن الحد الأدنى من المظاهر المدنية قد يكون كافيًا لاحتواء الضغوط الدولية في هذه المرحلة”.

تحليلات سياسية أخرى لهذه الخطوة ترى أن البرهان يسعى إلى تحقيق ثلاث غايات أساسية، تتجاوز مجرد إدارة الأزمة إلى محاولة فرض واقع سياسي جديد قد لا يجد له مكاناً على أرض الواقع، بدءً بتثبيت شرعية منقوصة، تأمين سيطرة جزئية على المفاصل المتبقية من الدولة، وإعادة تشكيل واجهات السلطة لضمان استمرار تأثيره. وتذهب التحليلات إلى أنه من خلال هذه التعيينات، يبعث البرهان برسالة ضمنية قوية مفادها: “أنا الدولة”، في تكرار لنموذج الحكم الفردي المطلق الذي اتبعه نظام البشير لعقود طويلة.

شرعية تتآكل وواقع يتغير:

لكن هذه الرسالة الصارمة التي يبعثها الجنرال تُقابل بواقع مغاير تمامًا على الأرض. فالمؤسسات المعلنة عبر هذه المراسيم لا وجود لها فعليًا أو تأثير يذكر في مناطق واسعة من البلاد، والخدمات الأساسية منهارة تماماً، فيما الشرعية الفعلية للحكم محل نزاع داخلي وخارجي عميق. هذا التباين الصارخ بين المراسيم المعلنة والواقع الميداني يجعل هذه التعيينات أقرب إلى محاولة للهروب إلى الأمام أو إظهار “الاستمرارية الزائفة” منها إلى استعادة المبادرة الحقيقية.

رؤية اخرى تذهب إلى أن إعادة تدوير وجوه من النظام السابق، خاصة تلك التي تحمل صبغة إسلامية واضحة، يعيد فتح الباب على مصراعيه حول طبيعة تحالفات الجنرال وصدق وعوده السابقة بقطع الطريق على عودة نفوذ المؤتمر الوطني ورموزه. هذا التوجه قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات وتأجيج الشكوك بين مكونات الشعب السوداني والقوى المدنية.

ويرى المتحدث الرسمي باسم تحالف القوى المدنية المتحدة، عثمان عبد الرحمن سليمان، ، في حديثه لـ”راينو”، أن “فاقد الشيء لا يعطيه”، مؤكداً: “لا مستقبل للحكم المدني الديمقراطي في السودان مع الجيش”.

وأضاف سليمان أن “التعيين الوزاري، وبالتحديد رئيس الوزراء، لا قيمة لها، لأن البرهان تصدر المشهد عبر انقلاب عسكري ما يعني أن سلطته الزائفة التي يتفاخر بها لا شرعية لها من الناحية الدستورية.”
واعتبر سليمان أن البرهان اختار هذا التوقيت “لكي يخطف الأضواء عن حكومة السلام التي سيعلن عنها تحالف تأسيس عما قريب، وهي خطوة يائسة لن تنجح خصوصاً وأن حكومته عسكرية تستند إلى مذهب أيديولوجي دكتاتوري، وحكومة السلام هي حكومة مدنية خالصة.” وأضاف: “المجتمع الدولي يتعاطى صورياً فقط مع سلطة بورتسودان الانقلابية، وبالتأكيد هناك انقسام في المجتمع الدولي في هذا الصدد.”
عموما فإن تعيينات البرهان الأخيرة لا تعكس نية حقيقية لإصلاح الدولة المدنية أو إعادة بنائها على أسس ديمقراطية. بل تكشف عن مشروع بديل لإدارة الدولة بمنطق الحرب والتحكم والسيطرة العسكرية-الأمنية، في لحظة لم تعد فيها الدولة موجودة إلا على الورق وفي الخيال الرسمي، فيما الواقع الميداني تحكمه مليشيات الجيش المتناحرة، ويُكتب بالدم والدمار، ويدفع ثمنه الشعب السوداني الذي يتطلع إلى سلام حقيقي ودولة مدنية ديمقراطية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار