السودان

كيكل وجبريل .. هل ينقسم معسكر الحرب؟

تقرير: راينو

غليان وفوران يعكس حالة الحراك السياسي والعسكري المعقد الذي يعيشه السودان عموما، وأطراف معسكر الحرب المكون من الجيش وحلفائه ممن يقاتلون إلى جانبه خصوصاً، في مشهد يتصدره تناحر بين قوى مسلحة قديمة وأخرى صاعدة في ظل انعدام أفق سياسي واضح.

حلفاء الجيش وكأنما صدقوا انتصاراتهم المزعومة كما يقول البعض على الدعم السريع، وبدأت الصراعات بين الأطراف كل يريد أن يكون بطل المشهد. وبرزت على السطح تناقضات الأجندات، وآخرها الحرب الكلامية والاعلامية بين حركة العدل والمساواة جناح جبريل ابراهيم ودرع السودان بقيادة ابو عاقلة كيكل. فما الذي حدث؟

ضربة البداية:

بدأت الازمة بين الطرفين حسب متابعات”راينو” عقب انتقادات وجهها كيكل لوزارة المالية التي يتنسم مقعد وزارتها جبريل ابراهيم، حيث اتهمها بعدم الاهتمام بمشروع الجزيرة الحيوي وتوقف الدعم المالي عنه. وخاطب كيكل حشداً جماهيرياً قال فيه رداً على حديث أحد المتحدثين عن رفع وزارة المالية يدها عن مشروع الجزيرة: (مافي سبب واحد يخلي وزارة المالية ترفع يدها عن انسان الجزيرة البسيط وحقنا بنجيبوا من أي زول قاعد فوق).

ويعتبر مشروع الجزيرة من المشاريع الزراعية الكبرى في السودان، ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني وسبل عيش العديد من المواطنين، وتم استهداف المشروع خلال فترة النظام المباد في سياق التدمير الممنهج إبان حكم المطاح به عمر البشير.

في المقابل ورداً على انتقادات كيكل، سارعت العدل والمساواة بنشر مقال على موقعها الرسمي سرعان ما تم حذفه بعد تداوله، مما تسبب في إحداث عاصفة من الانتقادات الحادة التي أجبرت الحركة على تقديم اعتذار لاحق نفته ايضا.

وأثار المنشور المحذوف جدلاً واسعاً، وحفيظة الأوساط السودانية، مما استدعى قرار الحركة بسحبه من التداول. حيث أشار المقال إلى أن أية محاولات للتهرب من المسؤولية أو الانزلاق في مجاملات قبلية لن تغير من حقيقة راسخة، وهي أن أبو عاقلة كيكل، بحسب وصف المقال مجرم مطلوب للقصاص . واكد المقال المحذوف أن بقاء ابو عاقلة كيكل ضمن صفوف المقاتلين يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي برمته، واصفًا ذلك بأنه خطأ استراتيجي وأخلاقي، تتحمل مسؤوليته الجهات التي ساهمت في وجوده وتمدد نفوذه. واتهم المقال كيكل بالتورط في ارتكاب جرائم ضد المدنيين وممتلكاتهم، وانه يحتفظ بأموال وممتلكات نهبها خلال الحرب.

واستنكر كاتب المقال السماح لكيكل للحديث في مواضيع ليس له خبرة فيها ولا دراية، متطرقاً إلى استيلاء كيكل ومقربين منه على شاحنات مُخصصة لخدمة السودانيين، وتحويل مسارها لاستغلالها في نقل الأموال عبر الحدود إلى دول في غرب أفريقيا.

كذلك انتقد المقال بشدة تصريحات كيكل المتعلقة بمشروع الجزيرة، متهماً إياه بشكل مباشر بـسرقة آليات ومعدات المشروع، ودفن الترع التي تروي الأراضي الزراعية، وسرقة الوقود والمبيدات الزراعية، وتسببه في الإضرار بالمزارعين .

لهيب واشتعال:

ورغم حذف المقال بسرعة، إلا أنه أطلق حالة من الحرب الكلامية بين مكونات معسكر الحرب، مثيراً مخاوف عدة من احتمالات تطور الأمر حد الاشتباك المسلح. ويبدو ان ما ساهم في زيادة وتيرة الغضب هو تطورات الأحداث التي جاءت سريعة، حيث تفشت أنباء عن اعتذار رسمي قدمه جبريل إبراهيم، وتم تفسيره كخطوة أو محاولة لاحتواء الموقف. إلا أن الرياح تأتي بما تشتهي سفن حلفاء معسكر البرهان، إذ انهارت هذه المحاولة مع إعلان الحركة نفيها القاطع لأي اعتذار، واتهامها جهات معادية، وعلى رأسها الدعم السريع بفبركة المنشور، بقصد تأجيج الصراع الداخلي وشق الصفوف.

ولعل ما زاد الطين بلة، أن نفي الحركة – حسب المراقبين – لم يكن لتوضيح الوقائع والأحداث، بل جاء مشحوناً بنبرة تحدٍ وتصعيد، كاشفاً عن حجم التوتر والشكوك التي باتت تعصف بالمشهد. ورأوا أن تأكيد الحركة على أن الخطاب المتداول مزور، وأن المقال المسيء يعبر عن رأي فردي لا يلزم الحركة، جعل الحركة نفسها في مواجهة اتهامات بانفلات السيطرة على أدواتها الإعلامية، وبات واضحاً أن الانقسام داخلها أعمق مما يبدو من النظرة الأولى.

مصالح ونفوذ:

المحلل السياسي “عمر سفيان سالم” يذهب في حديثه لـ”راينو” إلى أن ما يحدث يعد أمر طبيعي بين مجموعات تقاتل ليس من أجل قضية، بل من أجل مكاسب مادية وسياسية ومناصب، بالتالي فإن جوهر هذه الصراعات هو البحث العميق عن الشرعية والموارد والنفوذ.

وأضاف: “بعد استشعار أطراف معسكر الحرب بنوع من الاطمئنان بفعل انسحابات الدعم السريع في وقت سابق، بدأت هذه الأطراف البحث عن مكاسب وتلميع عبر تجيير انتصارات متوهمة لصالح كل طرف وتسويق نفسه كمنقذ وبطل في المشهد، وهنا برزت التناقضات في المصالح، وبات تناحر المجموعات المسلحة السمة الغالبة. مشيرا إلى كيكل أو العدل والمساواة أو غيرهما ليسوا معنيين بالسودانيين حتى يكونوا منقذين لهم من حرب اشعلها من يأتمرون بأمره ويستمرون في تغذيتها بل واثروا من خلالها. وشدد عمر على أن التناقض الحالي حقيقي وجوهري وهو مؤشر على أن معسكر الحرب وأطرافه في الطريق للانهيار في ظل الضغط العسكري المتواصل من الدعم السريع، وفشل خارجية حكومة بورتسودان في تحقيق اختراق يقوض الخطوات السياسية للدعم السريع، فضلاً عن التهديد المتعاظم بضرب مناطق الحواضن الاجتماعية للفلول وقيادات الجيش في الشمالية ونهر النيل.

وأبان سفيان سعي كل مجموعة لتثبيت أقدامها فوق ركام الدولة المنهارة، حيث لم يعد الانتماء الفكري أو التاريخي كافيًا لضمان البقاء، بل أصبحت القوة الإعلامية والعسكرية هي الفيصل في معركة إثبات الذات وسط الفوضى الحالية.

من المستفيد؟:

وفي الوقت الذي اتهمت فيه حركة العدل والمساواة الدعم السريع بفبركة بيان الاعتذار بهدف خلق حالة انقسام وتشظي، إلا أن البعض سخر من الاتهام لجهة أن الدعم السريع يخوض المعارك على الأرض، وهو في هذا السياق لم يتواجه مع العدل والمساواة بمفردها أو كقوة مرة اخرى منذ معركة “قوز دنقو”، وأن العدل والمساواة لا تمتلك حاليا قوة بالمعنى الحرفي للكلمة.

فيما يرى القيادي سابقا بحركة تحرير السودان -القيادة العامة- آدم عوض في حديثه لـ”راينو” إلى أن ثمة العديد من الأطراف مستفيدة من حالة التصعيد الماثلة، مشيراً إلى أهمية الفصل بين المستفيدين وبين من يسعون لتأجيج الوضع حرفياً، وقال: “من يسعى لتأجيج الأوضاع هم الكيزان لجهة أنهم حاليا مسيطرين على دوائر اتخاذ القرار في الدولة والحرب، وبالتالي يرون اهمية ذهاب البرهان الذي استعصم منذ وقت مبكر في مواجهتهم بالدعم السريع قبل ان ينقلب ويغدر بحميدتي، وبعد ذلك سعى لتقوية الحركات المسلحة وصنع فصائل جديدة ليحتمي بهم من الفلول”.

وأبان عوض أنه من واقع خبرته في الميدان فإنه من الواضح جداً أن جبريل عاد إلى أحضان تنظيمه وهو الاسلاميين مؤتمراً بأمرهم، وتابع: “حالياً الاسلاميين بعد ابتعاد أو خفوت المواجهات الارضية مع الدعم السريع، يسعون للاطاحة بالبرهان الذي فتح كل ابواب الدعم والتمويل لكيكل، بالتالي يريدون جر كيكل للمواجهة معهم تحت واجهة العدل والمساواة، أي أن المعادلة تصبح وجود كيكل كحليف للبرهان، في مقابل جبريل المسيطر عليه من قبل الاسلاميين”.

واعتبر آدم أن اول المستفيدين من وقوع صراع بين أطراف معسكر الحرب وحلفاء الجيش هو الدعم السريع، إذ أن تشرذم وانقسام هذه المجموعات تعد فرصة لإضعاف أي تحالفات مستقبلية قد تواجه طموحاتها العسكرية والسياسية، فضلاً عن تناقضاتهم الحالية ربما تتطور حد عدم اتفاقهم على استمرار الحرب التي يصرون على اشتعالها، واضاف: “أيضاً هناك المجموعات المنشقة والساخطة على د.جبريل داخل حركة العدل والمساواة وخارجها، وتطمح إلى تقويض جبريل إبراهيم وإعادة رسم خارطة القيادة بما يخدم مصالحها الذاتية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار