السودان

حكام ولايات بالبزة العسكرية .. ما الذي يرمي إليه البرهان في سودان الحرب؟

تقرير: راينو

بينما تتطلع جموع السودانيين إلى بصيص أمل ينهي أزيز الرصاص وأنين البلاد تحت وطأة صراع مسلح وتدهور أمني وإنساني متسارع، اختار قائد الجيش طريقاً مغايراً. فبدلاً من تسمية وفود تحمل بشائر التفاوض، سارع الفريق أول عبد الفتاح البرهان مؤخراً إلى إصدار سلسلة تعيينات في مناصب حُكّام الولايات، وهي خطوة لافتة بتولي شخصيات ذات خلفية عسكرية زمام الأمور في عدد منها، مما أثار تساؤلات جوهرية حول دلالات هذه الخطوة في هذا التوقيت والأهداف التي يسعى إليها.

إعادة إنتاج للقديم:

مراقبون يرون أن إجراءات البرهان ليست وليدة اللحظة، وأن توجهه نحو تعيين عسكريين في مختلف المناصب، وليس الولايات فحسب، هو نهج قديم متجدد ومتوقع. فمنذ أن قبض البرهان على زمام الأمور عقب انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، تبنى سياسة واضحة المعالم تتسم بتفضيل العناصر العسكرية في المناصب القيادية الولائية. وشهدت الأشهر التي تلت الانقلاب إعفاء ولاة مدنيين وتعيين أربعة لواءات عسكريين جدد في ولايات استراتيجية مثل النيل الأبيض وجنوب كردفان.

تناغم مع صعود الفلول:

تزامنت هذه التعيينات الأخيرة مع نشاط ملحوظ لفلول النظام المباد وتصريحات متعددة تشي بسيطرتهم المتزايدة على المشهد العام، حيث تتراوح لهجتهم بين التهديد والوعيد والانتقاد، في سياق يبدو وكأنه تبادل للأدوار. ويرى البعض أن خطوات البرهان الحالية تبدو كصدى لرغبات هذه الدوائر الإعلامية المحسوبة على الجيش، وكأنه وجد حاضنة سياسية بديلة تعمل إعلامياً على تجميل ما يرونه أخطاء وتزيين أفعاله. وقد تجلى هذا التناغم في التوجه العسكري نحو إدارة الولايات، والذي بدأ بتكليف اللواء (متقاعد) عبد الرحمن عبد الحميد والياً للولاية الشمالية في الثاني والعشرين من أبريل الجاري، وتبعه بعد أيام قليلة تكليف اللواء (متقاعد) ركن قمر الدين محمد فضل المولى والياً لولاية النيل الأبيض في الرابع والعشرين من الشهر ذاته. وسبق هذه القرارات تداول واسع النطاق عبر وسائط التواصل الاجتماعي لخبر غير رسمي عن تعيين اللواء (متقاعد) عبد الله التهامي والياً لولاية الجزيرة، وهو ما لم يتم تأكيده رسمياً حتى الآن.

وقد نظرت أوساط عديدة إلى خطوتي تعيين عبد الرحمن وقمر كشخصيتين عسكريتين باعتبارهما إجراءً عملياً لتحقيق نوع من الاستقرار، خاصة في ظل استمرار الحرب وتصاعد وتيرتها.

دلالات متقاطعة:

يرى محللون ومراقبون للشأن السوداني أن إسناد مهام إدارة الولايات إلى شخصيات عسكرية في هذا التوقيت الحساس يحمل في طياته دلالات متعددة ومقاصد تتجاوز مجرد تسيير الشؤون اليومية. إنها خطوة يُنظر إليها من زوايا مختلفة، تتعلق بإدارة الصراع الدائر، وإحكام السيطرة على الأوضاع المتردية في الولايات، وربما تعكس رؤية القيادة العسكرية للمرحلة الراهنة برمتها.

ويرى الرافضون لإجراءات البرهان والمستذكرون لتاريخه غير الثابت تجاه التحول المدني الديمقراطي أن خطواته ترتبط إلى حد كبير بتقويض وإضعاف فرص الحل السياسي المدني من خلال تقليل نفوذ القوى المدنية في إدارة الولايات. فضلاً عن ذلك، يرون أن البرهان يسعى لتعزيز قبضته تلبية لطموحه الشخصي في الحكم، مما يدفعه للتفكير في بناء شبكات ولاء ومصالح تُنتج تحالفات استراتيجية مع الأشخاص والمجموعات التي يعتمد عليها.

في المقابل، ترى رؤى متطرفة في سياق خطوات البرهان أنه يعمل على منح انطباع غير حقيقي بالسيطرة والقوة والاستقرار بهدف جذب الدعم الإقليمي والدولي.

ضمان الدعم والسيطرة:

ويرى المحلل السياسي المقرب من دوائر الحركة الشعبية، عمر السنوسي، في حديثه لـ”راينو” أن من أهم دلالات خطوات البرهان في عسكرة حكم الولايات تعزيز القبضة الأمنية والعسكرية في ظل اشتداد وطأة الحرب والفوضى الأمنية التي تعصف بها. وقال: “تعيين شخصيات عسكرية على رأس السلطة التنفيذية في الولايات يمثل آلية لضمان سيطرة أشد إحكاماً على الوضع الأمني المتردي، وتسهيل التنسيق الضروري بين السلطة الولائية والقيادات العسكرية العاملة على الأرض، خصوصاً الولايات التي تشهد حراكاً عسكرياً نشطاً أو تُعدّ بمثابة خطوط إمداد حيوية، وذات أهمية استراتيجية في مسرح العمليات، وأعتقد أنها تحظى بأولوية في هذا النوع من التعيينات”.

واعتبر السنوسي أن البرهان يهدف من خلال تلك التعيينات إلى دعم المجهود الحربي المتصاعد من خلال ضمان انخراط كامل وفاعل للسلطات الولائية في دعم المجهود الحربي الذي يخوضه الجيش، سواء من خلال تأمين خطوط الإمداد اللوجستية، أو حشد الموارد المحلية المتاحة، أو حتى تنظيم ما يُعرف بالمقاومة الشعبية في بعض المناطق التي تشهد مواجهات مباشرة. وأضاف: “وهذا ما يفسر تعيين والي الشمالية الجديد على سبيل المثال”.

البحث عن ملاذ آمن:

تحليلات أخرى تتعمق في دوافع البرهان، وترى أن الدافع الحقيقي وراء كل خطواته، وليس فقط التعيينات العسكرية الأخيرة، يتمثل في إحساسه المتعاظم بالحصار من كل الجهات. ويشرح المحلل السياسي إيهاب الحسن ذلك بقوله لـ”راينو”: “البرهان حالياً لا يملك أي ورقة سياسية للتهرب من التفاوض بعد انسحابات الدعم السريع، وبالتالي فإن شروطه المسبقة التي وضعها حتى لا يتفاوض على وقف الحرب أضحت غير مقبولة إقليمياً ودولياً، بالتالي فهو مجبور على المضي قدماً نحو التفاوض، لكنه أيضاً محاصر بفلول النظام المباد الذين لا يريدون التفاوض إلا إذا كانوا جزءاً من معادلة السلطة وضمن أي تسوية قادمة، وهو بذلك أيضاً محاصر من قبلهم، خصوصاً وأنهم متغلغلون ومسيطرون على دوائر اتخاذ القرار في الجيش فضلاً عن سيطرتهم الإعلامية في تسويق خطاب الحرب في البلاد”.

وشدد الحسن على أن الحصار الحقيقي من جانب الدعم السريع، الذي يدرك البرهان أنه لا يستطيع حسمه عسكرياً، فضلاً عن أن الدعم السريع لن يوافق على أي تفاوض أو تسوية تعيد إنتاج الإسلاميين في المشهد، خصوصاً بعد كل هذا الزمن من الحرب. وتابع: “لذا فإن الغرض من التعيينات ليست مصلحة الولايات أو مواطنيها، بل ضمان الولاء المطلق والطاعة من الذين قام بتعيينهم، سواء دفعته كوالي الشمالية أو ذو ارتباط تطمئن البرهان نفسه كوالي النيل الأبيض”. وأوضح إيهاب الحسن أنه في خضم حالة عدم اليقين السياسي والانقسامات العميقة التي تشهدها البلاد، قد يسعى البرهان من خلال تعيين شخصيات عسكرية تحظى بثقته المطلقة إلى ضمان ولاء السلطات الولائية للحكومة المتمركزة في بورتسودان، وتحصينها ضد أي انشقاقات محتملة أو اتخاذ مواقف قد تُضعف موقف القيادة العسكرية في مواجهة التحديات الراهنة.

وشدد الحسن على أن كل تلك الخطوات تصب في استعادة نفوذ المؤسسة العسكرية التاريخي، إذ يمثل تعيين عسكريين في مناصب ولاة استعادة لدور محوري كانت تلعبه المؤسسة العسكرية في فترات سابقة من تاريخ السودان، خاصة خلال فترة حكم النظام المباد. وأضاف: “ربما أن هذه الخطوة تعكس اتجاهاً متزايداً نحو عسكرة الجهاز التنفيذي للدولة على مستوى الولايات وتمهيد لمصادرة أي أحلام لمستقبل الحكم المدني”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار