في زمنٍ صار فيه العبث سياسة، والتفاهة منهجاً للحكم، تُطالعنا مشاهد عبثية أشبه بمسرحيات هزلية، تُعرض على خشبة الوطن الممزق، آخر هذه المشاهد ما قام به وزير الغفلة المعروف بـ”الإعيسر”، أحد أذرع السُلطة الغاشمة في بورتسودان، حين ظهر في مشهد “رجم” رمزي لقائد الثورة السودانية الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في خطوة لا يمكن تصنيفها إلا كاستثمار سياسي بائس في الكراهية والشخصنة، ومتاجرة رخيصة من عقلية وضيعة.
الإعيسر، الذي يقدّم نفسه وزيراً في حكومة الأمر الواقع التي تحتمي خلف فصائل مسلحة ذات سلوك داعشي لا يعرف للإنسانية سبيل، وإرادة إقليمية مشبوهة تبحث عن مصالحها فوق جماجم الشعب السوداني الغلبان، حاول لفت الأنظار عبر استعراضات دعائية لا تحمل في طياتها أي مضمون سياسي ناضج، ولا تُعبّر عن مشروع وطني حقيقي، بل على العكس، تكشف عن إفلاس فكري ومحاولة يائسة لخلق عدو وهمي يُحمّله فشل الحكومة المتسلطة في بورتسودان، التي لم تقدّم للمواطن سوى الغلاء، والانفلات الأمني ،والقتل على أساس جهوي مناطقي وتآكل الدولة وفناءها.
ما جرى لا يُمكن فصله عن سياق حملة التشويه المُنظمة ضد القائد إسطورة النضال محمد حمدان دقلو “حميدتي”، أحد أبرز الوجوه في المشهد الثوري الجديد، والذي أختار أن يصطف مع تطلعات السودانيين في بناء دولة مدنية حديثة، تقوم على العدالة والسلام والمساواة، فأعلن انحيازه مبكراً للشارع السوداني في خطابه الشهير أمام جنوده في طيبة الحسناب، فأصبح في نظر الكثيرين النفعيين مُهدداً لمصالح النُخب المركزية التي تحتمي بِغطاء الدولة المركزية العميقة، بينما تمارس السُلطة وكأنها عصابة.
أصبح حميدتي العدو الأول في نظر أصحاب المصالح والامتيازات الذين أجادوا حياكة المؤامرات وسِرقة الثورات لتكون خيوط اللعبة بأيدهم فقط، وقد أحسوا بكسر طوق تدجينهم على أيادي قائد الثورة فأشعلوا حربهم العبثية ضد حُماة الثورة والشعب السوداني.
إن ما فعله الإعيسر ليس سوى مسرحية رديئة النص والإخراج، لا تنطلي إلا على من اعتادوا تصديق الإعلام الموجّه، أما الشارع السوداني فقد بات أكثر وعياً من أن يُخدَع بهذا النوع من التفاهة السياسية. الشعب السوداني الذي ثار من أجل الحرية والكرامة لن تقوده الشعارات الفارغة، ولن تنطلي عليه محاولات الشيطنة التي باتت مكشوفة.
الإعيسر، الذي لم يسمع به الشارع السوداني إلاَّ من خِلال فيديوهات “التهريج السياسي”، لا يمثل سوى حالة إنحدار أخلاقي وسقوط رمزي لمنظومة الحكم في بورتسودان، وانقطاع رأس شيطانها.
فبدل أن ينشغل بتحسين الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، أو معالجة الأزمات الإنسانية التي يعاني منها المواطن في الشرق وغيره، فضّل أن يُنتج تمثيلية مُبتذلة، محاولًا شد الانتباه عبر “رجم صورة” لا تحرك شيئًا في معادلات الواقع، لكنها تفضح عقلية من يديرون هذه المسرحية.
ما حدث ليس فقط تعبيرًا عن فشل سياسي، بل عن قبح في الرؤية، وضحالة في التفكير. فحين يتحول المشهد السياسي إلى مسرح للشتائم والرموز الزائفة، و”إستعراضات فُرجة” رخيصة، نَدرك أن من يحكمون باسم الدولة لا يملكون مشروع دولة، بل يسيرون بأجندة “اللا مشروع”.
إننا نعيش في زمن التفاهات، حيث يُمنح المنبر لمن لا يملكون مشروعاً سوى الكراهية، وتُشن الحملات على من يسعون نحو التغيير، لكن التجارب علمتنا، إن هذه الموجات سُرعان ما تتكسر أمام وعي الجماهير، وإرادة التغيير التي لا تعرف التراجع. أهلنا قالوا:{الما بتحلقوا جدعوا}.