السودان

علي أحمد يكتب: رقصة (التقراي) الأخيرة!

بقلم: علي أحمد

بعد مشاركتها الكبيرة في الحرب بولايتي الجزيرة والخرطوم، واحتفالها الكبير بانسحاب قوات الدعم السريع من الخرطوم وتنظيمها لحفلات من الرقص الحبشي شديد الاهتزاز في قلب العاصمة، توجهت أمس فصائل من الجبهة الشعبية لتحرير تقراي الإثيوبية (TPLF) المتمردة على الحكومة المركزية في أديس أبابا، في أرتال عسكرية مشهودة (على عينك يا تاجر)، إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية للدفاع عنها أمام قوات الدعم السريع التي أعلنت ميدان معركتها القادمة.

ومعلوم لدى الجميع الدور الكبير الذي قامت به فصائل “التقراي” الإثيوبية في محوري الفاو والجزيرة، ولولا مشاركتها في الحرب السودانية وجهودها التي تُنسب إلى القوات المسلحة وقوات قاطع الطريق ومجرم الحرب “أبو عاقلة كيكل”، لما تمكّن جيش البرهان وميليشيات حركات الارتزاق وصبية الحركة الإسلامية من التقدّم شبراً في أي معركة خيضت ضد الدعم السريع في أي مكان.

وتتمتع الجبهة الشعبية لتحرير تقراي برئاسة (دبرسيون جبري ميكائيل) بخبرات قتالية كبيرة، حيث خاضت حرباً شعواء ضد نظام الرئيس الإثيوبي الأسبق منغستو هايلي مريام منذ تأسيسها عام 1975، وحتى وصولها إلى السلطة عام 1991، حيث حكمت أديس أبابا حتى عام 2018، قبل أن تنخرط في حرب أخرى مع رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد علي (2020 – 2022)، انتهت إلى اتفاقية بريتوريا للسلام التي وضعت حداً للحرب الأهلية مع إثيوبيا.

خلال هذه الحرب، دعم (جيشنا) المختطف الجبهة الشعبية لتحرير تقراي ضد الحكومة الإثيوبية بإيعاز من مصر – ومن غيرها؟ – وها هي فصائل من التقراي ترد الدين وتشارك بجانب الكيزان في حربهم، وقد شوهدت للمرة الأولى قبل عام ونصف تقريباً في مدينة القضارف بشرق السودان، ثم في مدينة الفاو القريبة منها، قبل أن يُعلن بعض الكيزان عن مشاركتها رسمياً ووجودها في مدينة ود مدني عقب انسحاب قوات الدعم السريع منها، وقد أشادوا بدورها الكبير وقالوا إنها جاءت لنصرة الإسلام والسودانيين، فكانت هذه أول سابقة من نوعها في التاريخ يشارك فيها مسيحيون أرثوذكس في نصرة الإسلام و(الجهاد) مع المسلمين ضد مسلمين موحدين آخرين، فقل: سبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

وخلال الأسبوع المنصرم، أظهر مقطع فيديو تم بثه من داخل الخرطوم جنوداً وضباطاً “تقراويين” وهم يرقصون بحرارة وتهتز أجسادهم بعنف على إيقاعات الطبول الإثيوبية الصاخبة احتفالاً بخروج الدعم السريع من الخرطوم، حيث شاركت هذه القوات الأجنبية في تمشيط العاصمة وفي المعارك التي سبقت انسحاب الدعم السريع منها، قبل أن تتوجه إلى الدبة بالولاية الشمالية، حيث أُسندت إليها مهمة الدفاع عن الولاية – والجيش جيش السودان!

إنّ مشاركة فصائل أجنبية كمقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تقراي بين صفوف الجيش السوداني وفي زيه الرسمي، وإسناد المهام القتالية الرئيسية إليها، لا يعني فقط خرقاً للسيادة السودانية وإهانة للسودانيين، وأن هناك ثمناً ينبغي أن يدفعه السودان للتقراويين مقابل (جهادهم) هذا، فما هو هذا الثمن يا ترى؟ وإنما يعني أيضاً أن رواية الكيزان والتي يرددها خلفهم الببغاء الجالس على مقعد قيادة الجيش، والقائلة بأن الحرب قد اندلعت للقضاء على ما سموها بالميليشيات ووضع السلاح واحتكاره من قبل المؤسسة العسكرية ممثلة بالقوات المسلحة فقط، إنما هي محض كذبة بلقاء؛ فقيادة الجيش منذ اندلاع الحرب فرّخت عشرات الميليشيات وسلحتها وسمحت لها -وما تزال- بالتجنيد والتدريب، مثل حركات المرتزقة بقيادة مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم ومصطفى تمبور ومالك عقار، والأربعة وأربعين ميليشيا في شرق السودان وغيرها، بجانب حركة قاطع الطريق ومنتهك أعراض أهل الجزيرة صنيعة الاستخبارات العسكرية أبو عاقلة كيكل، وكتائب وميليشيات الإسلاميين والمستنفرين، إضافة إلى الخبراء العسكريين والفنيين الأتراك والإيرانيين الذين يديرون الطائرات المسيّرة، وغيرهم من الميليشيات الأجنبية الأخرى، وعلى رأسها فصائل الأحباش التقراويين.

وهؤلاء لديهم ادعاءات تاريخية بسيادتهم على مناطق واسعة من شرق السودان، وعلى رأسها منطقة “الفشقة” الزراعية الخصبة التي تُعرف في إثيوبيا بـ(ولقايت أو غرب التيقراي)، حيث تدّعي قومية “ولقايت” التي تدير عصابات الشفتة أنها أرض أجدادها، كما تدعي قومية الأمهرا ذلك، وفي عهد الرئيس الإثيوبي الأسبق الراحل ملس زيناوي (تقراوي) تم ضمها إلى إقليم تقراي تحت اسم (منطقة غرب تقراي)، وامتلك فيها المزارعون التقراويون أخصب الأراضي وزرعوا فيها السمسم والقطن وزهرة الشمس، وما زالوا.

كما أن اللاجئين جراء الحرب الأهلية الإثيوبية الأخيرة في إقليم تقراي، وجلّهم من العسكريين والمقاتلين، أُقيمت لهم معسكرات في منطقة الفشقة، وهؤلاء هم من يشاركون مع الجيش الآن في الحرب الدائرة، وهم الموجودون الآن في القضارف والجزيرة والخرطوم والدبة، فهل المقابل التنازل لهم عن الفشقة كما تنازلوا ونهائياً عن حلايب وشلاتين نظير مشاركة مصر التي سال لعابها فقالت: هل من مزيد؟ أم منحهم أجزاء شاسعة منها، أم التواطؤ معهم بالسماح لهم بزراعتها دون أن يعترضهم عارض أو يحول بينهم حائل؟

هنالك ثمة أمور مريبة فيما يتعلق بمشاركة الجبهة الشعبية لتحرير تقراي في الحرب السودانية، لكن وصولها إلى الدبة يؤكد أن وراء الأكمة أموراً خطيرة، وأن المقابل كبير جداً، خصوصاً أن أعداداً كبيرة من مقاتليها استشهدوا في حرب (كرامة أحمد هارون) هذه، والشهادة تترتب عليها حقوق، أقلها المواطنة والاعتراف بالوجود وبالأحقية في امتلاك الأراضي وغيرها، أليس كذلك؟

إنها حربُ الذلّ والمهانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار