السودان

علي أحمد يكتب: لعله عرف: هل هي جدة أم دجاجة!

بقلم: علي أحمد

شهدنا يوم الجمعة الماضي كيف هرع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى مدينة جدة السعودية، حيث كان في استقباله هناك نائب أمير منطقة مكة المكرمة، التي تتبع لها جدة إداريًا. وبذلك يكون الرجل قد حطم كل السخرية والعبط الذي كان يُجيزه، إن لم يكن يأمر به، نائبه مالك عقار ومساعده ياسر العطا وإعلامه رديء الأداء، ركيك العبارة، ومنحط السمعة.

لست من القائلين بأن ثمة مفاوضات سرية أو جهرية بين الجيش والدعم السريع، ولا أؤيد تخمينات (رغبات) الكثيرين الذين يرددون أن انسحاب قوات الدعم السريع من الخرطوم نتاج اتفاقات وتفاهمات مسبقة، بل أنفي نفيًا قاطعًا هذه الشائعات. فمنبر جدة تجاوزه الجميع منذ وقتٍ طويل، ولا أظن أنه صالح للاستعادة مرة أخرى بشكله السابق إلا وفق معطيات جديدة، وهذا -في تقديري- ما تحاول فعله المملكة العربية السعودية الشقيقة. لكن الأهم من كل هذا وذاك، تظل العلاقات بين الدول محل تقدير واحترام، حتى في حالة الخلاف والخصام. ولكن ديدن الكيزان الذين يديرون البرهان وجُنده هو شخصنة الخلافات والبلوغ بها إلى شفير الحرب والانهيار التام، وكأن بهم مسًّا شيطانيًا أو غيبوبة سُكرًا!

سبق أن أشرنا، بل وشددنا، على أن المسؤولين السياسيين والإعلاميين في الطرفين عليهم الكف عن الدخول في مناكفات مع دول الجوار. والحقيقة أن الدعم السريع أظهر خبرة وحنكة في هذا الشأن تفوق من اختطفوا الدولة ووزارة خارجيتها، الذين ظهروا لسامعيهم بان لا فرق بينهم وبين بغايا الشارع العام اللاتي تخلين عن الحياء، وأمسكن عن الأدب، واندحرن بالألفاظ إلى التسفل والبذاءة. فمنهم من تنقب، ومنهم من أسفر وفجر، مثل ياسر العطا ومالك عقار وخالد الإعيسر وسفلة السياسة، ممن تربوا وترعرعوا في كنف الكيزان، وتمرغوا في رغوة فسادهم، ففقدوا مكارم الأخلاق وفضائلها، وأصبحوا كما الفتيات والقونات، يطلقن حناجرهن بلا سقوف للنظم واللحن والإيقاع والرقص.

إن عبارة (جدة ولا جدادة) البذيئة الركيكة – وتعني جدة أم دجاجة لغير الناطقين بالسودانية – التي أطلقها ضخم الجثة، رث الشكل، منحط العبارة، الفاسد العابث اللاهي، الذي وضع تاريخه النضالي، البالغ نحو أربعة عقود، تحت حذاء جنرال متردد متهور، بدون حساسية ولا أخلاق، وسفح ماء وجهه ليبدو أمامه مثل عبد مطيع، خانع، مستسلم، قنوع بالفتات من الطعام والدراهم، لا تعني أن نتوقع من الآخرين أن يفسروها عفو الخاطر. فلا مجال في السياسة والدبلوماسية للعب والهزل، وإنما تُؤخذ أي كلمة تخرج من بين فكي مسؤول بالجدية اللازمة. فلستَ في مقهى شعبي أو حانة شعبية في “بني شنقول”، حتى تعبث ولا تزن كلماتك – مثلما لا تهتم بوزن جسدك.

هذا ليس خاصًا بمالك عقار فقط، وإنما هو نموذج لجميع من هم حول البرهان الآن، لا أستثني منهم أحدًا، فليس من خازوق أفضل من خازوق آخر.

الآن، ولكي نصبح دولة – ولن نصبح في القريب العاجل أو الآجل مع هؤلاء – فأمامنا وقت طويل وجهد مضنٍ، لكن لا بأس أن نعمل لذلك منذ الآن. علينا تشذيب المشهد الرسمي من هؤلاء الغوغاء، وتنظيفه من الدهماء، ومكافحة عهر السياسة بلجم ألسنتهم القذرة، المتدلية بالروائح الكريهة، وحبسها بين أفكاكهم. فهم لا يصلحون في جميع المراحل، خصوصًا المرحلة المقبلة التي تحتاج إلى سياسيين أذكياء، ودبلوماسيين أكفاء، ورجال ونساء يتمتعون بالقبول، والهدوء، والحصافة، والرزانة، والأدب. فلا نريد في المشهد القادم ناشطًا خاوياً مثل وزير الإعلام، أو قاطع طريق مثل عقار، أو المخبول ثقيل الدم والروح مني أركو مناوي، أو شيخ قبيلة فارق الحكمة البدوية وفارقته الكياسة واللباقة، فصار محض “ردّاحة” تطلق لسانها في الأسافير، وتثير الفتن، وتبث النتانة، مثل شيخ الهدندوة “ترك”. أو ضابطًا لا تفارقه كأسه، لا يعرف أن للجهل أوقاتًا، وللحلم مثلها، فما إن يفيق من غيبوبة حتى تغشاه أخرى. فإن كان قد رفع عنه القلم إبان الحرب، فعلينا ألا نفعل ذلك بعدها. بل إن وجود أي من هؤلاء في المستقبل وكيزانهم لهو نذير شر ومؤشر لحرب جديدة أكثر دمارًا، وكأن أبا زيد لم يغزُ!

ولكن، هل يستطيع البرهان فعل ذلك؟وهو زعيمهم ومثيلهم وصانعهم ومقربهم، ولا يقل عنهم في كل ما ذكر. فهو في البذاءة ألعن من ترك، وفي الشتيمة أرذل من العطا، وفي الصراخ والتهريج يفوق الإعيسر، وفي السخافة وثقل الدم يزيد وزنه على مالك عقار، وفي العبط والهبل يبز مني أركو مناوي، وفي اللصوصية والسرقة يبدو جبريل أمامه كقزم ضئيل، إذ حول ثروات الشعب لمال خاص تحت تصرف أشقائه وأهله وشلّته، وأما في الكذب فيتضاءل أمامه مسيلمة التاريخ. ولذلك، فإن على الشعب السوداني أن يضع البرهان أولًا أمام خياراته: إما أن يكفر عن سيئاته بمواجهة إخوانه المتأسلمين وكتائبهم ومليشياتهم ومرتزقتهم، ويعجل بما هو آتٍ لصالحه لا عليه، أو فليواصل حربه التي بدأها علينا، إذ لن يستقيم أمر لهذه البلاد وشعبها وهناك كوز واحد في إطار الصورة.

وهذا بلا شك ما سمعه في جدة وسيسمعه في غيرها، إلا مصر، مع خالص أعتذارنا وتقديرنا لأشقائنا الأفارقة والعرب، من نيروبي وأنجمينا، مرورًا بجدة وأبوظبي، وحتى طنجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار