السودان

علي أحمد يكتب: مبارك الفاضل .. هل ذهبت السكرة وجاءت الفِكرة؟!

بقلم:  علي أحمد

من يستمع إلى ما قاله مبارك الفاضل المهدي – أمس – لقناة الجزيرة مباشر، لا يملك إلّا أنْ يردد سراً وجهراً: “سبحان مُغيّر الأحوال من حالٍ إلى حال”. لكن دعونا نُقر مبدئياً أن تصريحات الرجل كانت، على غير عادته، عين الحقيقة، فحسناً فعل أن ثاب إلى رشده وعاد إلى عقله، وخرج من خِضم قطيع السياسيين والأكاديميين الذين يُساقون إلى ترديد سردية العسكر والكيزان فيما يخص الحرب الراهنة، بدون وعي ولا رشد. وإن كنت أجزم أنه لا يتغير ولا يتبدل، لأنّ الانتهازية فيه أصيلة، وهذا طبعه، والطبع يغلب التطبع!

ما قاله مبارك الفاضل المهدي في هذا اللقاء معلوم لدى جميع السودانيين دون استثناء، لكن كونه ظلّ يتبنى عكس ذلك منذ بداية الحرب، يعتبر أمراً جديراً بالاهتمام والعناية. حيث اتهم الرجلُ الحركةَ الإسلامية بقيادة أحمد هارون وعلي كرتي بالتحكم في المشهد، والعمل على استعادة الحكم مرة أخرى باستغلال واقع الحرب الحالية، وأنها عقدت مؤتمرها على مرأى ومسمع من البرهان. هذا تطور جيّد في موقف الرجل، ونتمنى أن يصل به الأمر إلى حدّ أن يقول بصراحة إن الحركة الإسلامية هي التي أشعلت الحرب، وهي التي تستثمر فيها وتديرها الآن، وهي التي تقف حجر عثرة أمام إيقافها، لأن أي اتفاق أو تفاوض يعني نهايتها إلى الأبد.

تناول الرجل أيضاً التعديلات التي أجراها قائد الجيش على الوثيقة الدستورية، ووصف ذلك بأنه تصرف غير قانوني، وأن تعديل الوثيقة لا يحق لمجلسي السيادة والوزراء. كما اتهم البرهان بمحاولة الانفراد بالحكم والسيطرة، وأشار إلى أن الحكومة المدنية المزمع تشكيلها في بورتسودان ستزيد من رقعة الحرب.

حسناً، هذا كله صحيح، لكن الأكثر صحة هو قوله إنّ للدعم السريع قوات منتشرة في مواقع عديدة في السودان، ولها نفوذ في إقليم النيل الأزرق. وأن هذا الإقليم أيضاً سيشهد حرباً خاصة في ظل وجود قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بقيادة جوزيف تُكّا، والتي وقّعت على ميثاق السودان التأسيسي في نيروبي الأسبوع المنصرم.

كما كشف المهدي أنه نصح الجيش – أي قيادة الجيش – بأن تكوين مليشيات مساندة للقوات المسلحة وتسليحها وتمويلها سيؤدي حتماً إلى صدام مستقبلي بينهما، مما قد يشعل مزيداً من الحروب في مختلف أقاليم البلاد. وأن البرهان هو أحد أسباب هذه الحرب، وأنه يقوم الآن بتجنيد وتسليح القبائل (الأفريقية) – على حد قوله – لقتال الدعم السريع، مما يزيد من رقعة الحرب، وأنه حان الوقت لإيقافها، لئلا تمتد الفتن والنيران إلى أقاليم البلاد الأخرى.

ما قاله مبارك الفاضل صحيح مائة بالمائة، وإن جاء متأخراً جداً، بعد أن فقد الجميع الثقة فيه، بمن فيهم (كتلة الموز) وقيادة الجيش والكيزان، حيث كان ينسّق معهم مواقفه منذ بداية الحرب، بجانب قوات الدعم السريع التي سلقها بألسنة حداد، وقتل قائدها وأقام له سرادق العزاء في القنوات التلفزيونية، وكذلك فعل مع مكونات التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، فأصبح غير مقبول لدى الجميع. إنه رجل الرهانات الخاسرة بامتياز، لكن هذا لا يقلل من قيمة وأهمية تصريحاته للجزيرة مباشر، خصوصاً أنه أدلى بها في الوقت المناسب، وشرح للجمهور كيف أن البرهان والكيزان يأخذون السودان بأكمله حتف أنفه إلى التقسيم والحروب الأهلية والفوضى والمجاعة، وأن على السودانيين التوحد لإيقافهم عند حدّهم، لأن هذه البلاد ليست ملكاً لشرذمة من العسكر المنفلتين وشذاذ الآفاق من الكيزان المعاتية اللصوص والفَسَدة، وإنما ملك لهذا الشعب الأبي الكريم. فعليه أن ينتفض في وجوههم، ويرفع صوته، ويجهر بـ (لا للحرب) دون وجل أو خشية أو خوف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار