بين الكوز الهارب إلى تركيا، شيخ الدماء والفساد، “عبد الحي يوسف”، وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ما صنع الحدّاد. يعلم الجميع ذلك، فقد وصفه بأنه: “لا دين له ويحمل النصيب الأوفر في التسبب بالحرب، وأن الحركة الإسلامية لا تثق به”. وأمس، كررت قناة (طيبة) الفضائية، المملوكة لشيخ الفتنة والدم، ذات العبارات وأقسى، على لسان الكوز ضابط الأمن السابق الهارب إلى إسطنبول “عامر حسن”، حيث شن الرجل من منبرها هجوماً كاسحاً على قائد الجيش، وحمل عليه حملة ضارية، لم يترك له شاردة أو واردة إلا أحصاها، فأنذره وحذّره وهدده، ورفع سبابته في وجهه، ووضعه أمام المواجهة مباشرة.
حديث الكوز عامر حسن، ضابط الأمن السابق وأحد مؤسسي مليشيا هيئة العمليات الكيزانية المحلولة، إلى قناة “طيبة” عن العلاقة الراهنة بين الكيزان وقائد الجيش، يمكن وصفه بحديث المواجهة، حيث شدّ قوسه وأطلق سهامه على الرجل مباشرة، من منبر عبد الحي يوسف (قناة طيبة) في إسطنبول إلى بورتسودان، قائلاً إن المشاورات التي يجريها قائد الجيش مع بعض الأطراف السياسية لا تشمل القوات المسلحة، ويعني بذلك أن البرهان يتصرف لوحده كي يحكم وحده، ويستغل صفته الرسمية كقائد للجيش في استخدام المؤسسة لتحقيق طموحه السياسي، وأنه لا يشاور قادة الوحدات العسكرية من كبار الضباط – بالطبع يقصد الضباط الإسلاميين – ولمّح إلى أن هؤلاء رافضون لما يقوم به الرجل من مشاورات.
وقال عامر إنهم – أي الحركة الإسلامية وضباطها (الكيزان) في الجيش – لو كانوا تركوا البرهان لوحده لانتهت الحرب في شهرها الأول باتفاق في جدة، أو لكان قد وقع على اتفاق المنامة، أو لذهب إلى جنيف، لكنهم منعوه من التفاوض وخاضوا معه الحرب، قائلاً إن الانتصارات التي تحققت لا علاقة لها بالبرهان، بل هي انتصارات تنظيمه!
واعترف ضابط الأمن الهارب إلى تركيا بأن مليشيا هيئة العمليات التي ينتمي إليها خاضت الحرب بدون تفويض قانوني، وهذا اعتراف خطير جداً، وأضاف أن قوات الدعم السريع أسرت المئات من ضباط الجيش وما يزالون في قبضتها، وهدّد البرهان وتوعّده بأنهم – أي الكيزان – سيفتحون ملف الهزائم الساحقة التي تعرض لها الجيش في الجزيرة، ما سمح لقوات الدعم السريع بالتوغل حتى تخوم النيل الأزرق.
وألقى القيادي بالحركة الإسلامية (جناح كرتي)، عامر حسن، في مضمون حديثه، باللائمة على البرهان، متهماً إياه بعدم إبلاغ الضباط بساعة الصفر التي حددتها الحركة الإسلامية للحرب، حيث إنهم لا يثقون به ولا بقيادة الجيش.
الأخطر من ذلك هو التحريض الصريح، من منبر (قناة طيبة) وعلى لسان الكوز عامر حسن، لقادة الوحدات العسكرية بالتمرد على قيادة الجيش، حيث وجه حديثه إليهم بشكل مباشر، طالباً منهم ألا يتركوا البرهان يفعل ما يشاء في الفضاء السياسي، فهم – وفقاً لعامر نفسه – من قاتلوا في الحرب وقادوا الشعب السوداني ودفعوا فاتورة غالية، وإنهم لن يبيعوا دماء زملائهم الضباط وأفرادهم العساكر للبرهان.
هذا خطاب يدعو ضباط الجيش للتمرد على القائد، وعصيان أوامره، وشن الحرب عليه باعتباره شخصاً غير موثوق به، وبالتالي خائناً (بائعاً لدماء زملائه)، ما يستوجب القضاء عليه والتخلص منه. إنها دعوة ليست فقط لإثنائه عن المشاورات التي يجريها مع فريق الموز (الكتلة الديمقراطية)، وإنما لتصفيته وقتله، فالخيانة وبيع دماء الشهداء في الحرب ثمنها الموت – هذا معلوم بالضرورة.
الآن يقف البرهان والكيزان في مفترق الطرق، وقد كان يظن الرجل أنهم أشعلوا الحرب بالتشاور معه، ثم دفعوا بمليشياتهم إلى القتال بجانبه من أجل التخلص من قوات الدعم السريع، والإطاحة بالانتقال الديمقراطي، وكسر شوكة الثورة والقضاء عليها، والانتقام من الشباب الذين أطاحوا بهم فقط، وهو يظن حالماً أنهم – أي الكيزان – سيضعون أسلحتهم وينصرفون إلى وظائفهم وتجارتهم وأسرهم، ويتركون له (الغنيمة)، أي السلطة، لينعم و(يبرطع) فيها وحده. يا لسذاجته وقلة عقله! فقد شنوا الحرب، ودمروا العاصمة، وهدموا مبانيها وبنياتها التحتية، ووضعوا سيادة البلد ووحدته السياسية والاجتماعية على شفير الهاوية من أجل عودتهم للحكم، وليس من أجل أن يحكم هذا الساذج الحالم!
لا خيار لقائد الجيش غير المواجهة – عليه أن (يركز) لها. وعلى نفسها جنت براقش. وأنا أرى حرب البرهان وكيزانه رأي العين، كما لو كانت تدور أحداثها أمامي الآن، وغالباً لن تقوم اليوم، وإنما غداً، وهو ليس ببعيد.