السودان

انتهاكات الجيش في السودان.. هل تفلح لجان التحقيق الدولية؟

تقرير: راينو

مخاوف تتجدد وتوتر يتصاعد بحكم ما يوصف بانتهاكات وجرائم الجيش السوداني في المناطق التي يدخلها عقب انسحاب الدعم السريع منها، وظلت الوسائط تحف بفيديوهات قطع الرؤوس والتصفية الجسدية خارج نطاق القانون فيما يوصف بالثأر والانتقام بدعاوى التعاون مع الدعم السريع، الأمر الذي دفع الكثيرين للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق دولية في تلك المآسي ولعل أشهر تلك المطالبات ما ورد على لسان وزير خارجية جنوب السودان في اعقاب مذبحة كبو خمسة بود مدني. فهل تفلح لجان التحقيق الدولية في وقف مجازر وانتهاكات الجيش؟

مطالبة مستمرة.. أسوأ أسبوع:

ظلت المطالبات بتشكيل لجان تحقيق دولية مستمرة منذ فض اعتصام لقيادة العامة في 3 يونيو 2019م بحكم باعة المجازر والانتهاكات التي نفذها الجيش واجهزته الامنية والعسكرية في حق الثوار ولجان المقاومة وفيما بعد المتظاهرين. بيد أن التصميم على تلك اللجان برز بشكل أوضح وأكبر وأصخب مؤخرا بحسب فداحة الانتهاكات التي ارتكبت في أسبوع واحد منذ أن بدأت الحرب حسب الناشطة الحقوقية “رحاب المبارك”، حيث شهد الاسبوع الثاني من يناير تصفية مواطن سوداني بتفريغ الرصاص الحي عليه بأمبدة بواسطة قوات العمل الخاص التابعة للجيش السوداني في يوم ١٠يناير ٢٠٢٥، كما قام الطيران الحربي بقصف كاب الجداد بالجزيرة فضلا عن قتل عشرات المواطنين والاطفال في ذات اليوم، كذلك قام جهاز امن واستخبارات الجيش باعتقال تقل الاستاذ “أحمد محمد على الدويخ”، عضو لجنة المعلمين محليه أم روابه قادما من كمبالا واقتادته إلى تندلتي في يوم ١٢ يناير ٢٠٢٥، وشهد ذات اليوم مقتل الطالب “مهند مجدي غانم” أثناء احتفالات الجهات الأمنية بعودة مدينة مدني برصاص طائش أطلقه أحد عناصر القوات الامنية.

كذلك قام الجيش السوداني بقتل العشرات بكمبو (٥) طيبة شرق ام القري بحجة انهم متعاونين مع الدعم السريع، وأحرق طفلين واختطف ١٣ من النساء ومعهم المواطن ادم ابكر في 12 يناير. وتم توثيق قيام مجموعة من عساكر الجيش بتعذيب عدد من المواطنين بجعلهم “يحبون” علي بطونهم، مع ضربهم وتعذيبهم والاساءة اليهم بمنطقة “الكريبة”، بحجة تعاونهم مع الدعم في ١٣ يناير، وشهد ذات اليوم اعتقال الاستاذ “أبوبكر منصور محمد حمزة المحامي”، والذي تم اعتقاله اليوم بمدينة سنجة بتهمة تعاونه مع الدعم السريع بواسطة الاستخبارات العسكرية، فضلا عن قيام الجيش بتصفية اكثر من من ٢٠ شخص لم يتم حصرهم حتي الان بـ”كمبو حليمة، مارنجان، وعووضة” بحجة تعاونهم مع الدعم السريع، وأغلبهم من ابناء غرب السودان .

كما تم اعتقال المواطن محمد عبدالله في “كرري” بواسطة الاستخبارات العسكرية، وذلك بعد عودته إلى منزلة بالجرافة من ولاية سنار التي نزح اليها بحجة تعاونه مع الدعم السريع منذ أكثر من شهر ونصف.
وفي 14 يناير تم تصوير فيديو لذبح احد المواطنين بواسطة احد افراد الجيش ذاكراً انه “كرامة” الدخول الي ود مدني، فضلاً عن فيديو آخر يتم فيه تصفية مواطن آخر بواسطة القوات المسلحة بحجة ان اخته متزوجة دعامي . كذلك تم التوثيق لفيديو تصفية مواطن بعد تعليق الحبل علي فمه ورميه من أعلي كبري حنتوب بعد ضربه بالرصاص بواسطة كتائب البراء بن مالك. كذلك تم بث فيديو لذبح عدد من المواطنين وفيه صوت حشرجتهم بعد الذبح بواسطة كتائب الدواعش التي تحارب الي جانب الجيش السوداني. وتم أيضاً بث فيديو لمقتل مواطن وتصفيته بعد أخذه للجدار بواسطة نظامي في الجيش يرتدي عمامة، وسط متجمهرين يصفقون للفعل في ذات اليوم. وتم بث فيديو آخر لحرق “كمبو الشكابة الجاك” بواسطة الجيش السوداني، بحسب ما أكد أحد الشهود الذين تحدثوا في الفيديو.

وفي ذات التاريخ قام الجيش السوداني باعتقال المئات من منطقة الفريجاب قرب الحصاحيصا بقانون الوجوه الغريبة، وتم نقل المعتقلين الي المناقل. أيضاً قامت كتيبة العمل الخاص بتصفية المواطن “رامي حسن بشير القاضي”. وشهد ذات التاريخ قصفاً جوياً لطيران القوات المسلحة على سوق مدينة “مليط” بولاية شمال دارفور، وتمت تصفية الشاب “محمد مصطفي حسن عبدالرحيم” من لجان مقاومة سنجة – الحي الغربي، بواسطة العمل الخاص.

في 15 يناير قتل المواطن “آدم أحمداي عبدالله” اثر إصابته بشظية بسوق “مليط” عقب قصف الطيران الحربي لسوق مليط . في ذات التاريخ تم تداول صور للجيش السوداني وهو يقوم بدفن العشرات في مقابر جماعية لمواطنين تمت تصفيتهم بواسطته. في ذات التاريخ تم بث فيديوهات وصور لعشرات الجثامين من المدنيين الذين تمت تصفيتهم وهم ملقيين علي وجوههم في حوش كبير، وعدد مقدر من عساكر الجيش يحملون البنادق ويذكرون تخلصهم من “العفن”.

فيديوهات للجيش وهو يعتقل عشرات المزارعين من كبار السن ويقوم بضربهم بالسياط ويطالبهم بالاعتراف بتعاونهم مع الدعم في يوم ١٥ يناير ٢٠٢٥.

في 16 يناير اتهمت الحركة الشعبية الجيش السوداني بنهب الاغاثة وحرق النازحين بمنطقة حجر جواد. وفي ذات التاريخ تم بث فيديو لعناصر الجيش السوداني وهو يحمل رؤوس آدميين مبتورة عن اجسامهم ويهللون ويكبرون في حضور احد الضباط. كما استهدف الطيران الحربي سوق “قورو” بجنوب الحزام بالتزامن ما نتج عنه مقتل ٨ اشخاص كلهم من المدنيين واصابات بحروق متفاوتة في يوم ١٦ يناير ٢٠٢٥

في 17 يناير فيديو لمجموعة من عساكر الجيش تقوم بمهاجمة المواطنة مريم وضربها، واحد العساكر يأمر باغتصابها واعتقالها وابنائها بقرية مبروكة ريفي الحوش الجزيرة. وفي 18 يناير تم بث فيديو لمجموعة عساكر للجيش السوداني تقوم بتعذيب مواطن بضرب رأسه علي واجهة العربة بعد اتهامها له بالسرقة وسط استهجان وصراخ الاهالي لعنف الفعل ومطالبتهم للعسكر بالتوقف .كذلك مقتل الشاب عيساوي احمد ببحري الدناقلة نتيجة لضرب الطيران الحربي للمنزل في ذات التاريخ. وفي ذات التوقيت تم بث فيديو لعساكر يتبعون للجيش السوداني يوضح استخدامهم للسلاح الكيميائي المحرم دوليا . وتم اغتيال الاديب يحي حماد فضل الله بعد تعذيبه بواسطة الجيش السوداني بعد اعتقاله بتهمة التعاون مع الدعم السريع.

في 19 يناير وصول جثث مواطني سكان الكنابي الذين تم رميهم في ترع الجزيرة بعد قتلهم وذبحهم، كذلك مقتل المتطوع الاستاذ بجامعة العلوم والتقانة بأمدرمان الاهلية ابراهيم ادم عثمان اثر اطلاق نار عليه من مسلحين بشرق النيل .

تشكيل سابق .. لا جديد:

ونتيجة لنشوب الحرب ووحشية المعارك في بداياتها وتزايد الضحايا المدنيين، أُنشئت بالفعل ما يعرف بالبعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق من قبل مجلس حقوق الإنسان في أكتوبر 2023من خلال القرار A/HRC/RES/54/2. من مهامها الرئيسية “التحقيق وإثبات الحقائق والظروف والأسباب الجذرية لجميع الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان والتجاوزات وانتهاكات القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك تلك المرتكبة ضد اللاجئين، والجرائم ذات الصلة في سياق النزاع المسلح المستمر الذي بدأ في 15 أبريل 2023، بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فضلاً عن الأطراف المتحاربة الأخرى”.

تم تعيين ثلاثة خبراء من قبل رئيس مجلس حقوق الإنسان، وجاء القرار وقتها بإنشاء البعثة لفترة أولية مدتها عام واحد، وطُلب منها جمع وتحليل الأدلة تمهيداً لأية إجراءات قانونية مستقبلية؛ وتحديد، حيثما أمكن، الأفراد والكيانات المسؤولين؛ وتقديم توصيات لإنهاء الإفلات من العقاب وضمان المحاسبة والوصول إلى العدالة للضحايا.

بيد أن المختلف هذه المرة ان دعوة أخرى برزت للمشهد عبر وزير خارجية جنوب السودان رمضان عبد الله جوك طالب فيها بالتدخل الدولي في السودان عقب مجزرة قتل رعايه في احداث دخول مدينة ود مدني على يد الجيش السوداني والقوات التي تقاتل الى جانبه، وهو ما ردت عليه الخرطوم بالشجب والادانة، في وقت تزامن فيه ذك مع مطالبات بتشكيل لجنة تحقيق دولية حيال ما حدث للجنوبيين في السودان.

آلية مهمة:
وتذهب الناشطة الحقوقية والمحامية شيماء سر الختم في حديثها لـ”راينو” إلى ان اللجان الدولية لتقصي الحقائق هي إحدى آليات إنفاذ القانون الدولي الإنساني، وتم افتراعها في مؤتمر جنيف 1974م، واضافت: تم اقرار هذه الالية بموجب البروتكولين الاضافيين لاتفاقيات جنيف، ودخلت رسميا حيز النفاذ عام 1992م وواحدة من مهام هذه اللجنة التحقيق في اي واقعة يفترض انها تشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني.

وأكدت شيماء أن مجلس حقوق الإنسان في جنيف، كون لجنة تقصي حقائق حول الاعتداءات الموجودة في السودان، واضافت: هنا اريد ان أوضح انه من الممكن أن تقوم ذات اللجنة او ان تنبثق لجنة من خلالها للتحقيق أو ان تكون لجنة اخرى مختصة سواء بمواطني جنوب السودان أو غيرهم.

وأبانت الناشطة أنه فيما يخص ابناء دولة جنوب السودان وما تعرضوا له من انتهاكات جسيمة أثناء حرب 15 أبريل 2023 بالسودان وباعتبارهم أجانب مدنيين وليسوا عسكريين في دولة أخرى، يجعل من لمندوبهم في مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة الحق في المطالبة بتكوين لجان دولية فيما حدث وذلك استناداً على القانون الدولي الإنساني، وقالت: من حق دولة جنوب السودان ان تطالب بمثل هذه اللجان باعتبار ان هؤلاء مواطنيها ومن واجبها حمايتهم وانها تسعى لإثبات انه الانتهاكات الواقعة عليهم والتحقق من المجرمين ورد الحقوق. وتابعت: “أخلص بالقول ان كل من القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان وكذلك اتفاقيات جنيف تسند هذا الحق وبالتالي من حق دولة جنوب السودان المطالبة بلجنة تحقيق دولية لما حدت لمواطنيها في دولة أخرى”.

استهلاك إعلامي:
من جانبها قطعت الناشطة الحقوقية وعضوة المكتب التنفيذي لمحاميي الطواريء عضوة الشبكة السودانية لحقوق الانسان رحاب المبارك في حديثها لـ”راينو” أن الامر لا يعدو سوى استهلاك اعلامي، وقالت: مرتكب الجريمة لن يحقق في أمرها خصوصا وأن لجان التحقيق المشكلة بواسطة الجيش ليست جديدة بل قديمة عهد، وسبق أن شكل لجان بعد فض الاعتصام ولم تنجح، فالجهة التي تحقق هي ذات الجهة التي تنتهك وترتكب الجرائم. وتابعت: بالتالي ما يحدث أو يقال الهدف منه الاستهلاك الاعلامي وما حدث في الجزيرة وغيرها ليس الانتهاك الوحيد، فما يحدث في السودان عامة وحدث في الجزيرة ودارفور خاصة جرائم حرب وتطهير عرقي، وعلى اللجنة الدولية لتقصي الحقائق أن تتدخل ودون ذلك لا ارى شيء.. وشددت رحاب على أن السودانيين كحكومة وكمؤسسات عدلية غير قادرة وغير راغبة في تحقيق عدالة بالأساس، وأضافت: أصلاً لا يوجد مؤسسات دولة بمفهومها الحقيقي ولا شرعية لرأس الدولة نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار