السودان

امتحانات الشهادة السودانية .. هل بدأ التأسيس للانفصال؟

تقرير: راينو

لم يتمكن ثلاثة آلاف طالب وطالبة بمخيم “عطاش” للنازحين شمال شرق نيالا، من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، رغم استمرار الامتحانات في عدد من الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش بجانب المراكز الخارجية. الأمر الذي هيأ الكثيرين للبحث فيما وراء الخطوة رغم التحذيرات المتكررة عن عدم وجود مناخ ملائم لقيام الامتحانات في ظل عدم تمكن الكثيرين من خوضها.. فكم عدد من لم يستطيعوا الجلوس للامتحانات؟ وما هي المعالجات التي ستتم بشأنهم ومتى؟

عطاش ليس وحده:

مناطق أخرى يعيش طلابها ذات الحالة النفسية التي يعانيها طلاب عطاش في نيالا، ونقلت تقارير إعلامية قلة الطلاب الجالسين للامتحانات في أبو جبيهة على سبيل المثال وبلغ عدد الممتحنين 800 طالباً فقط، أما البقية فلم يتمكنوا من الجلوس للامتحانات بسبب عدم وجود ارقام جلوس وهو رقم ضئيل مقارنة بالعدد الكلي البالغ 8453 طالب وطالبة حسب تصريحات سابقة لوزيرة التربية والتوجيه بجنوب كردفان فاطمة قمر إسماعيل، كاشفة عن عدم تمكنهم من إيصال الامتحانات لطلاب محافظة الدلنج الكبرى وعددهم2424 طالباً وطالبة.

وفي سياق متصل كشفت ادارة التعليم بولاية شمال كردفان عن عدد الطلاب الذين لم يجدوا أرقام جلوس رغم وصولهم مراكز الامتحانات حوالي 10 الف طالب وطالبة. الصورة المؤسفة لحرمان الكثيرين من أداء الامتحانات بفعل الإصرار الحكومي، أسس لمشروعية البحث عن مبررات هذا الإصرار.

المشهد الكلي:

عملياً أعلنت حكومة بورتسودان قيام امتحانات الشهادة معلنة على لسان مسؤولي وزارة التربية والتعليم خضوع 244ألف طالب وطالبة سودانية للامتحانات، أي ما يقدر بـ 70٪ من الطلاب المسجلين، بينما فقد نحو 30٪ فرصتهم للجلوس للامتحان بسبب الحرب. وبلغت عدد المراكز الداخلية2239  و59 مركزا خارجياً بما في ذلك دولتي مصر ويوغندا فيما رفضت تشاد قيام الامتحانات على اراضيها.

وكشفت لجنة المعلمين عن حرمان ثمان ولايات بالكامل من الامتحانات، وثلاث بصورة شبه كاملة، وثلاث بصورة جزئية، من جملة ١٨ ولاية. مشيرة إلى ما وصفته بالتخبط والعشوائية في التجهيز للامتحانات كعدم ظهور أرقام جلوس لعدد كبير من الطلاب في محلية كرري، وإعلان عن عدم عقد الامتحانات في محلية النهود والدلنج وفي دولة تشاد في اللحظات الأخيرة. منوهة إلى المحسوبية والمجاملة في اختيار كبار المراقبين لخارج السودان، وفي مراكز مصر والإمارات حيث يوجد بينهم من لم يعمل معلم ولو ليوم واحد. وقالت في بيان: كل هذا يؤكد على فرضية أن هذه الامتحانات ليس الهدف منها العملية التعليمية، بل هدفها تثبيت واقع الحرب. واضافت: نحمل حكومة الأمر الواقع كامل المسؤولية عن أي نتيجة ترتبت على الإصرار على عقد الامتحانات بهذا الشكل، دون استصحاب شروط العدالة والشمول، والالتزام بإجراءات سلامة المعلمين والطلاب، فهذه الامتحانات خطر على الطلاب والمعلمين أثناء عقدها، وخطر على السودان بعد عقدها.

ذات التوجه عبرت عنه تنسيقية لجان مقاومة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، حيث طالبت بتأجيل الامتحانات لجهة أن الولاية تشهد قتالا مستمرا لثماني أشهر بين الجيش السوداني والقوة المشتركة للحركات المسلحة المساندة له، من جهة وقوات الدعم السريع من جهة أخرى. واضافت: إصرار الحكومة على إقامة امتحانات الشهادة السودانية في موعدها المحدد، سيتسبب في حرمان ألف طالب وطالبة في الفاشر من حقهم في الجلوس للامتحانات.

ورأت أن الشروع في إجلاس الطلاب لامتحانات الثانوية محاولة لإثبات قدرة الدولة على تسيير دولاب العمل وأن النزاع لم يؤثر على التعليم بدون النظر الي المخاطر والتحديات والظروف الاقتصادية المتردية المحيطة بالسودانيين. وتابعت: حكومة بورتسودان أصبحت هيكلاً أجوف، غير قادر على مواجهة التحديات وتحقيق أي تطلعات، معتبرة انعقاد الامتحانات محاولة للتكسب السياسي. ورفضت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر قيام امتحانات الشهادة السودانية في هذه الظروف الحرجة، مستنكرة ما اعتبرته استخدام قضية التعليم كأداة حرب.

حقائق ومفارقات:

عدد الطلاب المعلن من الجالسين لامتحان الشهادة تناقض مع معلومات تحصلت عليها “راينو” وطبقا لمصادر رفيعة بلجنة التعليم – فضلت الحجب – فإن الكتاب المدرسي المطبوع يكشف عدد الطلاب الممتحنين، كاشفة عن طباعتهم للعام الحالي 2024، ما بين 500 إلى 600 ألف كتاب. ما يعني على سبيل التقريب أنه ذات العدد الذي يجب أن يخضع للامتحانات فيما تم إعلان 244 ألف طالب وطالبة فقط وهو ما يشير إلى أن ثمة عدد يفوق النصف محروم من الامتحانات أو أن ثمة فساد في طباعة الكتاب المدرسي. فيما نقلت تقارير إعلامية اخرى أن عدد الطلاب المحرومين من الامتحانات بلغ 129 ألف طالب وطالبة بينما أوردت تقارير أخرى 150 الف طالب وطالبة. وطبقا لمعلومات “راينو” بلغت تكلفت طباعة الامتحانات 3 تريليون جنيه سوداني، فيما رفضت المصادر الإفصاح عن مكان طباعتها وكيفية تأمينها.

ويذهب المحلل السياسي عمر سفيان سالم في حديثه لـ”راينو” إلى أن إصرار حكومة بورتسودان على قيام الامتحانات رغم الظروف الاستثنائية هو توظيف سياسي للعملية التعليمية ليس إلا في محاولة منها لتأكيد وجود الدولة وهو أمر يدرك الكثيرون انه غير حقيقي وقال: إن محاولة انجاز الامتحانات فيما يعرف بمناطق سيطرة الجيش على حساب بقية  المناطق محاولة رخيصة لخلق مجتمعين منفصلين يؤسس لتغييب الولايات الغربية عن العملية التعليمية وفرصهم في أحقية النجاح مثلهم مثل نظرائهم في بقية الولايات مما يؤسس لنفور نفسي يخلق مساحة اكبر لترويج خطاب الانفصال الذي يريده الاسلاميون والجيش بحكم عدم قدرتهم حسم الدعم السريع وإخراجه من المشهد بعد مؤامرة يوم 15 ابريل لذا يسعون لفصل مناطق سيطرته. وتابع: فضلا عن محاولة إحراج الدعم السريع أمام المعنيين بالامتحانات في مناطقه بالرغم من ان المنطق يقول عدم صلاحية المناخ نفسه للطلاب لأداء الامتحانات في ظل توقف المدارس وعدم وجود معلمين، وهو أمر تشهد عليه بيانات الجهات المعنية بالتعليم. كاشفاً عن الخطر في ملف امتحانات الشهادة هو المعالجة المقترحة للمحرومين بإحالتهم لدورة مارس مثلما أعلنت الدوائر المعنية في حكومة الامر الواقع، واضاف: وهو أمر يعني طباعة امتحانات جديدة ومصاريف جديدة وتعينات لجان اخرى لتلحق امتحانات الشهادة بغيرها من دوائر الفساد والنهب في الدولة التي يصر الاسلاميون والجيش على حكمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار