السودان

أحمد يونس يكتب: رشا عوض تكتب وذباب الكيزان يفتش عن قناص!

بقلم: أحمد يونس

حساب على “فيس بوك يستخدم اسما “د. أميرة كرار”، لم يكتف بالاختلاف مع الأستاذة رشا عوض، ولا بشتمها، ولا حتى بتخوينها، بل مضى إلى حيث ينتهي الكلام، ويبدأ الدم، فقد دعا لقتلها واستنفار المسلحين ضدها، بحثا عما أسماه “رصاصة حق” باعتبار اغتيالها “فريضة غائبة”، وهذا تحديدا ما أدانته نقابة الصحفيين السودانيين، وطالبت بالتحقيق العاجل وتوفير الحماية لرشا ومحاسبة المحرضين.

هنا لا مجال للعب بالكلمات، فهذا ليس “رأيا حادا”، ليس “انفعالا سياسيا”، وليس “وجها قبيحا من وجوه حرية التعبير”، بل هذه “دعوة إلى القتل”، فالرصاصة مهما ألبسوها من ثياب البلاغة، تظل “رصاصة”.

أما وصفها بأنها “رصاصة حق”، ففيه من السخرية السوداء من الحق ما يكفي، فمنذ متى احتاج الحق إلى قناص لكي يثبت نفسه، فالحق له حجته وكلمته وقانون، أما من يعجز عن مقارعة صحفية بالقلم، ثم يستدعي لها البندقية، فقد لخص إفلاسه الفكري وخوائه الروحي، وطبيعته الإرهابية، التي مهما حاول إخفائها تسيل من مسامه.

رشا عوض ليست كتيبة عسكرية، لا تقود دبابة ولا تحمل مدفعا، هي صحفية وكاتبة، وسلاحها رأيها، يجوز أن نختلف معها، وأن نقول عنها أقسى ما يسمح به القانون وأخلاق الخصومة، لكن اللحظة التي نقول فيها “اقتلوها”، نكون قد خرجنا من ساحة الرأي، ودخلت ساحة أخرى اسمها “التحريض على الجريمة”.

والتضامن مع رشا لا يتطلب الاتفاق معها في كل شيء، بل ربما تكون قيمة التضامن أكبر حين نختلف معها، فالحرية التي لا نحميها إلا لمن يقول ما يعجبنا، ليست حرية، إنها عضوية في ناد مغلق.

وحق رشا عوض في الحياة والأمان والكتابة، لا تمنحه لها جماعة سياسية، ولا يسحبه منها حساب على “فيس بوك”، ولا يحتاج إلى ختم من كتيبة أو جهاز أو تنظيم.

لا يخفي الحساب الذي يتحمل وزر ما قد يحدث لرشا، انحيازه للحركة الإسلامية، وقد نشر خطاب يدافع عنها صراحة، ويهاجم الموقف الأميركي منها، لذلك يصعب التعامل مع لغته بمعزل عن السياق السياسي الذي يقدم نفسه من خلاله.

لا تكمن المشكلة في التأييد السياسي فهو حق لصاحبه، بل في ذلك المنحدر الخطير الذي يبدأ بتقسيم الناس إلى وطنيين وخونة، ثم يتحول “الخائن” إلى شخص مستباح، ثم تظهر الرصاصة بوصفها حلا سياسيا.

والسودانيون يعرفون جيدا ما يمكن أن تفعله ماكينة التخوين حين تعمل ليل نهار، فهي تقوم بالتشويه، والتحقير، وتوزيع اتهامات العمالة، وينظم “الذباب الإلكتروني الكيزاني”، حملات تخلق المناخ الذي يصبح فيه الاعتداء على الخصم شيئا يمكن تبريره، أو على الأقل السكوت عنه، هل تسمعني يا رئيس لجنة الحوار الزميل “عثمان ميرغني”؟ فقد تم تشويهك من قبل ذات الحملة، وانتهت بك بعين مفقوءة.

وتكمن المفارقة المضحكة والمخيفة معا، في أن أصحاب هذا الخطاب يحبون الحديث عن القوة والشجاعة، فأي شجاعة بالضبط، تصل مرحلة مواجهة “امرأة” تحمل قلما بـ”رصاصة”، هل هذه هي “الشجاعة”، أم أنها رهبة من الكلام؟

لذلك لا ينبغي أن يقف الأمر عند بيانات التضامن، على أهميتها، فرشا عوض تحتاج الآن إلى حماية قانونية وأمنية فعلية، تتناسب مع طبيعة هذا التهديد، وفتح تحقيق جاد في الحساب والمنشور، وتحديد هوية من يديره، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن التحريض، وهو ما طالبت به نقابة الصحفيين، فقد حذرت من أن مثل هذا الخطاب، وسط الاستقطاب والحرب وانتشار السلاح، يهدد سلامة الصحفيين ويجعل احتمالات الاستجابة للتحريض أمرا لا يجوز الاستهانة به.

فمسؤولية منصات التواصل ليست هامشية، لا يمكن أن تتحول المنصات إلى جدران افتراضية، نكتب عليها أسماء المطلوب قتلهم، ثم نتحدث بعدها عن “حرية التعبير”، حرية التعبير تحمي حقك في أن تقول إن رشا عوض مخطئة، وتحمي حقك في الرد عليها، تحمي سخريتك منها ونقدك لمواقفها، لكنها ليست رخصة لاقتراح الطريقة المناسبة لقتلها.

والقضية في النهاية أكبر من رشا، مع أن رشا هي الحالة الماثلة التي يجب ألا نسمح بتذويبها في العموميات، اليوم هي رشا عوض، وغدا، إذا صار التحريض أمرا عاديا، سيكون صحفيا آخر، أو كاتبا، أو سياسيا، أو مواطنا كتب جملة أغضبت أصحاب البنادق.

وأقولها بلا مواربة: “كامل التضامن مع رشا عوض”، ومع حقها في أن تكتب ما تشاء، وأن نختلف معها كما نشاء، وأن تنام آمنة من الذين يعتقدون أن المقال يرد عليه بالرصاص.

أما “الرصاصة” فليست حقا، وليست رأيا، وليست بطولة، بل تهديد بالقتل، ومن يحتاج قناصا لينتصر على مقال لن ينتصر في أي معركة أو معترك، فقد قالها بصوت عالي – ربما دون قصد أو بقصد – أن حجته ماتت قبل أن تغادر الرصاصة ماسورة بندقيته الغادرة”..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار