لك أن ترفع حاجبيك دهشةً وأنت تستمع لتصريحات المستشار السابق لـ(اللمبي)، وزير خارجية “مصرستان” المحمول جوًا، المدعو علي يوسف، بأن حكومته ستحارب، إن استدعى الأمر، إثيوبيا من أجل مصر. أليست هذه عمالة بالباب وليست بالنافذة؟
ألم يقل الوزير نفسه، الذي تم تعيينه في دولة مجاورة لمراعاة مصالحها – وهو أمر غريب لم يحدث في أي دولة من قبل – أن يُسمي (رئيساً) أحد (وزرائه) في دولة أخرى، دون مراسم تعيين، ودون بروتوكول، ولا يمين دستورية، ولا أي من الإجراءات المتعارف عليها؟ أليست هذه عمالة؟
أكثر من ذلك، ألم يصرح هذا الوزير، وهو لم يكن وقتها قد أمضى (48) ساعة فقط في منصبه، بأن حكومته يمكن أن تستجلب جميع دول العالم لإنشاء قواعد عسكرية على ساحل البحر الأحمر التابع لسيادة السودان؟ وفي الوقت نفسه، يصدّع “البلابسة” رؤوسنا بأكاذيب وافتراءات عن العلاقة بدولة الإمارات العربية الشقيقة، التي تمتلك ساحلًا أكبر بكثير من الساحل السوداني، ويضم (12) ميناءً تجاريًا، وموانئ نفطية عديدة، و(310) مراسي بحرية بحمولة تصل إلى 80 مليون طن من البضائع، بينما نحن نتعثر في إدارة أسوأ ميناء في العالم، ميناء بورتسودان.
أن تبيع ساحل البحر الأحمر في مزاد علني لإنشاء قواعد عسكرية لكل من هبّ ودبّ، فهذه ليست عمالة، لكن أن تتحدث عن تطوير الموانئ ونهضتها، وجلب شركات عالمية متخصصة من ألمانيا وغيرها لتحديثها، فإن هذه هي العمالة؟
أن يصرح وزير إعلام الغفلة، المهرج خالد الإعيسر، لمقربين منه، بأن إجراءات تعيينه تأخرت بسبب تحفظ دولة مجاورة عليه، فهذه طبعًا ليست عمالة، بل من شروط الوطنية في سلطة بورتسودان التي تسعى لتأسيس دولة “مصرستان”!!
بموافقة البرهان والكيزان، يتم تدريب مليشيات عسكرية شبه قبلية من دارفور وشرق السودان، منها: قوات “الأُورطة الشرقية” بقيادة الأمين داؤد، وقوات “المرتزقة الغربية” بقيادة مني مناوي، ومليشيا ما يُسمى بـ”قوات تحرير شرق السودان” التابعة لإبراهيم دُنيا، ومليشيا “مؤتمر البجا – المسلح” التابعة لموسى محمد أحمد، و”مؤتمر البجا – الكفاح المسلح” التابعة لشيبة ضرار، ومليشيا “مؤتمر البجا – القيادة الجماعية” بقيادة الشيخ محمد طاهر سليمان علي بيتاي، ومليشيا “الأسود الحرة” بقيادة بركة!
جميع هذه المليشيات القبلية وغيرها، المساندة لجيش البرهان والكيزان وسلطة بورتسودان، يدربها الجيش الإريتري وتأتمر بأمر حكومة ومخابرات أسياس أفورقي. فهل ثمة عمالة أكثر من هذه؟
عندما تستمع إلى الكيزان وهم يصرخون طالبين النجدة من مصر، وإيران، وروسيا، وتركيا، وقطر، وإريتريا، فهذا لا يعني عمالة أبدًا. فالعمالة هي أن تعلن انحيازك للتحول المدني الديمقراطي، وتعلن موقفك الرافض للحرب (لا للحرب)، وتسعى لإيقافها عبر المفاوضات، وتمتنع عن ترديد عبارة (بل بس). فماذا فعل (القحاتة)، كما يسميهم الكيزان، وماذا فعلت (تقدُّم) أكثر من ذلك؟
هل دربوا مليشيات في دول أجنبية مجاورة؟ هل طالبوا بتعيين وزراء بواسطة دولة أجنبية؟ هل قبضوا أموالًا من قطر كمرتبات شهرية ونثريات؟ هل طلبوا أسلحة من دول خارجة عن النظام العالمي، يمكن أن تتسبب في أزمة كبيرة بين بلادنا الغارقة في الفوضى وبين المجتمع الدولي؟
أن تقيم قيادة وكوادر تنظيم سياسي (المؤتمر الوطني) في تركيا، وتوجه إعلامها من أنقرة وإسطنبول، وتؤسس لأنشطة تجارية واقتصادية هناك، فهذا بالطبع لا يعني تعاملها مع أجهزة المخابرات التركية أبدًا، وأن حكومة أردوغان لن تتدخل في توجيه هذا التنظيم، ولا تفرض عليه أجندتها. “هي لله”، فلا عمالة هنا، لا عمالة أبدًا. فمن العميل إذًا، إن لم يكن البرهان وكيزان حزب الفساد المحلول؟؟
هؤلاء غارقون في العمالة من أخمص أقدامهم حتى آذانهم. إنهم العمالة في أوج نصاعتها وجلائها وبهائها. هؤلاء أخجلوا سير العملاء منذ فجر التاريخ، وجعلوها محض حكايات على هامش رواية (العمالة)، ولا يزالون يتحدثون!