السودان

 “زمزم” على شفا الكارثة: استراتيجية عسكرية تُهدد حياة الآلاف

مقدمة:

مع اقتراب سقوط الفرقة السادسة مشاة في مدينة الفاشر، آخر الفرق العسكرية التابعة للجيش السوداني في دارفور، وقرب سيطرة قوات الدعم السريع عليها لتحكم قبضتها على كامل الإقليم، تزداد المخاوف بشأن مصير النازحين الذين يعيشون أوضاعًا إنسانية قاسية، خاصة في معسكر زمزم الذي يبعد 12 كيلومترًا عن المدينة. يعاني المعسكر من حالة مجاعة حادة بسبب الحرب الدائرة في محيطه، مما عرقل وصول المساعدات وفاقم الأزمة الإنسانية التي وصلت إلى حد إعلان المجاعة. 

سبق أن أفادت منظمة أطباء بلا حدود في بيان صدر في 6 أغسطس الماضي بأن الطيران الحربي الحكومي قصف المعسكر الذي يحتضن بين 400 ألف و500 ألف نازح، كثيرون منهم لجأوا إليه هربًا من المعارك الشرسة في مدينة الفاشر. 

تحركات عسكرية مقلقة داخل المعسكر:

حذرت تنسيقية معسكر زمزم للنازحين في بيان متداول صادر بتاريخ الثلاثاء الماضي 12 أكتوبر من تحركات مشبوهة تقوم بها القوات المشتركة التي تحارب إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع. وأشارت التنسيقية إلى أن هذه القوات انسحبت من القتال في مدينة الفاشر ودخلت معسكر زمزم، حيث بدأت في تشييد ارتكازات عسكرية داخل المعسكر بين المدنيين. 

واعتبرت التنسيقية هذا الإجراء استفزازيًا يهدف إلى تحويل المعسكر إلى ساحة معركة واستدراج قوات الدعم السريع للدخول إليه، مما يعرّض حياة عشرات الآلاف من النازحين للخطر.

وأكد البيان أن استخدام النازحين كدروع بشرية وتحويل مساكنهم إلى منطقة قتال محتملة يُعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان. وطالبت التنسيقية القوات المشتركة بالانسحاب الفوري من المعسكر والعودة إلى ساحات القتال، مشددةً على ضرورة عدم الزج بالنازحين الأبرياء في صراعات عسكرية. 

مناشدات حقوقية وتحذيرات دولية:

توجهت التنسيقية بنداء إلى الرأي العام المحلي والدولي، مطالبةً بتحرك عاجل لوقف تحويل معسكر زمزم إلى ساحة حرب. وأشارت إلى أن القوات المشتركة تستغل معاناة النازحين لتحقيق أجندات سياسية وعسكرية، محمّلةً إياها المسؤولية عن أي تداعيات كارثية قد تنجم عن هذه الأفعال. 

تأكيدًا لهذه المخاوف، كشف مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية عن رصد إنشاء مواقع دفاعية في المعسكر باستخدام صور الأقمار الصناعية والبيانات الحرارية. وأكد المختبر أن هذه المواقع تشير إلى توقعات بوقوع هجوم عسكري وشيك في المنطقة، مما يزيد من خطورة الوضع الإنساني في معسكر زمزم. 

آراء المراقبين والمجتمع المحلي:

وصف مراقبون انسحاب القوات المشتركة من مدينة الفاشر واتجاهها إلى معسكر زمزم بأنه تصعيد خطير يهدد حياة النازحين الأبرياء. وأكد أحد سكان مدينة الفاشر، الذي نزح بعد اشتداد المعارك إلى تشاد حيث يقيم الآن، أن دخول مقاتلين من القوات المشتركة إلى المعسكر يُعد تصرفًا جبانًا يعرّض حياة الآلاف، أغلبهم نساء وأطفال، للخطر المباشر، معتبرًا إياه انتهاكًا صارخاً للقانون الإنساني الدولي. 

وقال مراقب سياسي إن الجيش، بعد عجزه عن هزيمة قوات الدعم السريع في ميادين القتال، أصبح يركز على هزيمته سياسيًا وأخلاقيًا. وأوضح أن هناك استراتيجية عسكرية متقنة تهدف إلى توريط قوات الدعم السريع واستدراجها إلى حرب مع السكان المدنيين بعد عسكرتهم رمزيًا من خلال الاستنفار والشعارات الحربية وتسليحهم ببعض البنادق الخفيفة، ومن ثم الانسحاب وتركهم يواجهون مصيرهم أمام قوات الدعم السريع التي تتميز بالشراسة في الحروب البرية. وأشار المراقب إلى أن هذه الاستراتيجية، التي طُبّقت مؤخرًا في ولاية الجزيرة، تمثل استخدامًا مروعًا من جانب الجيش للمدنيين كطُعم في الصراع العسكري.

انتهاكات جسيمة داخل المعسكر:

اتهم ناشط حقوقي القوات المشتركة، وتحديدًا تلك التابعة لمني أركو مناوي، باستخدام سكان المعسكر كدروع بشرية كلما انسحبت من ساحات القتال. وأشار إلى وقوع انتهاكات واسعة النطاق داخل معسكر زمزم، حيث تتعرض النساء بشكل خاص للاعتداءات والانتهاكات من قِبل هذه القوات. 

وذكر الناشط حادثة وقعت في 18 أكتوبر الماضي، عندما قامت مجموعة مسلحة من القوات المشتركة باعتقال الناشط الإنساني مدثر عمر المعروف بـ”كاريكا”، وهو قيادي في حزب المؤتمر السوداني بولاية شمال دارفور وعضو في غرفة الطوارئ الإنسانية بالمعسكر. وتم اقتياده إلى جهة غير معروفة، مما يثير مخاوف بشأن سلامته ويزيد من حالة القلق داخل المعسكر. 

الخاتمة:

تجسد الأزمة في معسكر زمزم الوضع الإنساني المأساوي الذي يعيشه النازحون في دارفور، حيث تحوّل المعسكر من ملاذ آمن إلى مركز صراع بين القوات المتنازعة. إن تصاعد الانتهاكات ضد المدنيين، وتحويل مساكنهم إلى ساحات قتال، واستغلالهم كدروع بشرية، يمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الإنساني الدولي. 

يتطلب الوضع تحركًا عاجلًا من المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان لحماية النازحين ووقف الانتهاكات، وضمان انسحاب القوات المشتركة من المعسكر. إن معاناة سكان زمزم المتواصلة تبرز الحاجة الملحة لوضع حد لهذه الحرب الكارثية.

مركز إدراك 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار