السودان

روايات مفبركة، ومؤتمرات صحفية كاذبة: هل يعوّض الجيش خسارته العسكرية عبر الإعلام؟

أصبحت الحرب الدائرة في السودان بين الجيش الذي يقوده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مدعومًا بكتائب ومليشيا الحركة الإسلامية، ضد قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، صراعًا متعدد الأوجه، حيث لم تعد المعركة محصورة في الميادين العسكرية بعد أن عجز الجيش عن تحقيق انتصارات حاسمة في ميادين القتال. تبنت قيادة الجيش وحكومته، التي تتخذ من بورتسودان مقرًا لها، تكتيكات الحرب النفسية والتضليل الإعلامي بهدف إضعاف الروح المعنوية لدى أفراد قوات الدعم السريع. وقد شهدت هذه الحرب النفسية تجليات متعددة، بدءًا من حالات الانسلاخ المزعومة عن الدعم السريع، وصولًا إلى مؤتمرات صحفية تروج لادعاءات مشكوك في صحتها.

بدء الحرب النفسية:

شهدت الساحة أولى تجليات الحرب النفسية عندما أثارت وسائل الإعلام ضجة حول حادثة انسلاخ أبوعاقلة كيكل، أحد قادة قوات الدعم السريع، والذي اتضح أنه جاسوس زرعه الجيش داخل قوات الدعم السريع. وسرعان ما تبع ذلك ظهور مقاطع فيديو لمجموعة ترتدي زي الدعم السريع، تدعي فيها الاستسلام بعد انسلاخ كيكل وتحاول إقناع بقية الجنود بالانسحاب والانضمام إلى صفوف الجيش. جاءت هذه الرسائل متزامنة مع بيان صادر عن البرهان يدعو فيه إلى العفو عن المنسحبين من قوات الدعم السريع، وهو ما يعكس توجه الجيش نحو محاولة خلق انشقاقات داخلية وتشجيع التراجع عن الولاء للدعم السريع. لكن سرعان ما تم كشف زيف هذه الرسالة بعد أن لاحظ الجمهور لهجة غير مألوفة وأسلوبًا ضعيفًا في فبركة الفيديو، مما أضعف مصداقية الجيش في هذا السياق.

حوادث مزيفة لاستهداف قوات الدعم السريع:

بعد فشل محاولات إقناع جنود الدعم السريع بالانسحاب والانسلاخ عبر الرسائل المزيفة، لجأ جهاز استخبارات الجيش إلى تزييف حوادث وصور صادمة تهدف إلى تشويه صورة قوات الدعم السريع، بما في ذلك مقاطع فيديو لرهائن مزعومين يظهرون كمعتقلين لدى قوات الدعم السريع ويطالبون ذويهم بفدية مقابل إطلاق سراحهم. كما زُعم أن قوات الدعم السريع ترتكب انتهاكات متزايدة ضد المدنيين، بهدف تصويرها كقوة فاقدة للسيطرة ومرتكبة للفظائع. ومع أن هذه الأساليب تهدف إلى حشد الدعم الشعبي ضد قوات الدعم السريع، إلا أنها لم تنجح في تحقيق نتائج كبيرة بسبب انكشافها على نطاق واسع.

فضيحة المؤتمر الصحفي وتقديم شخصية وهمية:

من أبرز أحداث الحرب النفسية التي أثارت الجدل مؤخرًا، كان تنظيم استخبارات الجيش مؤتمرًا صحفيًا اليوم السبت في مدينة بورتسودان قدمت فيه شخصية تدعى “عبد القادر إبراهيم علي محمد” يلقب بـ(أقيراي)، واصفةً إياه بمستشار “ثقيل الوزن” للقائد حميدتي ومسؤولًا عن ملف شرق السودان والمنظمات. وقد قُدم عبد القادر على أنه انسحب مع ثلاثة مستشارين آخرين من قوات الدعم السريع. لكن عبد القادر، الذي سبق له العمل في منظمة خيرية أسسها (حميدتي) لمساعدة الفقراء والمحتاجين بعيدًا عن قوات الدعم السريع، تم إيقافه عن العمل قبل بدء الحرب بتهم فساد مالي، واتضح لاحقًا أنه كادر أمني تابع للحركة الإسلامية. وقد ظهرت تناقضات كثيرة في روايته بالمؤتمر الصحفي المزعوم عن دور قوات الدعم السريع في اندلاع الحرب، مما دفع الكثيرين لاتهامه بالكذب وتوجيه النقد للجيش لإنتاج هذا المؤتمر الذي وصفه البعض بـ”البائس”.

رد قوات الدعم السريع على الحرب النفسية:

في ردها على المؤتمر الصحفي، أصدرت قوات الدعم السريع بيانًا تنفي فيه صلة الأشخاص الذين ظهروا بالمؤتمر بأي علاقة فعلية بقواتها. ووصفت قوات الدعم السريع ادعاءات المؤتمر بأنها “بضاعة كاسدة”، مؤكدة أن مستشاريها معروفون على الملأ وأن هؤلاء الأشخاص لا علاقة لهم بها. وأكد البيان استعداد قوات الدعم السريع لحملات الخداع والتضليل التي يمارسها الجيش.

مسار جديد:

تُظهر هذه الأحداث بوضوح أن جيش البرهان قد اتخذ مساراً يعتمد بشكل كبير على الحرب النفسية لتقويض قوات الدعم السريع وإضعاف ولاء عناصرها. ومع ذلك، يبدو أن هذه الأساليب لم تأتِ بالنتائج المرجوة، بل ربما أسهمت في إضعاف مصداقية الجيش وحكومة بورتسودان بسبب انكشاف ضعف الحرفية في إنتاج هذه الحملات وتكرار الأساليب غير الموثوقة.

ويبقى السؤال حول مدى قدرة الجيش والكتائب المساندة له وحكومته في بورتسودان على إقناع الشعب بهذه الروايات غير المتماسكة، والحبكات رديئة الصنع.

مركز إدراك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار