منذ توليه رئاسة المجلس العسكري الانتقالي بعد سقوط البشير، بدا عبد الفتاح البرهان كأنه يمارس سياسة مزدوجة: واجهة مدنية أمام المجتمع الدولي، وولاء خفي لجماعة الإخوان المسلمين (المعروفة بالكيزان) داخل مؤسسات الدولة. فض الاعتصام وإصدار البيان الانقلابي على قوى الحرية والتغيير، ثم إعلان فترة انتقالية قصيرة لم تكن البلاد مستعدة فيها للانتخابات، كانت خطوات أولية لتثبيت نفوذ الإخوان عبره، وجعل الجيش أداة لإعادة تدوير رموز النظام القديم.
رغم توقيعه على الوثيقة الدستورية تحت ضغط الشارع والمجتمع الدولي، لم يخف البرهان ميوله الإخوانية. فالانقلاب على الحكومة المدنية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك في أكتوبر ٢٠٢١ أعاد الكيزان إلى مفاصل الدولة الحيوية: الخدمة المدنية، الأجهزة الأمنية، والمؤسسات العسكرية. وحتى اليوم، يتصرف البرهان وكأنه الضامن الشخصي لأمنهم، محافظًا على الرموز التاريخية لانقلاب ٣٠ يوليو ١٩٨٩ في منتجع صحي بمروي، أحرارًا طلقاء وآمنين.
توضح تصريحات البرهان الأخيرة حول بيان الرباعية حيلته المعهودة في المماطلة والتنصل، إذ يغازل الإخوان ومليشياتهم ويطمئنهم بأن مكانتهم في الدولة مؤمنة، رغم مطالبات المجتمع الدولي بإبعادهم عن المشهد السياسي والعسكري. هذه السياسة ليست مجرد مهادنة، بل دليل على أن البرهان ينفذ أجندة الإخوان الخفية، متخفياً وراء واجهة الجيش والدولة، مانعًا أي إصلاح حقيقي أو انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان.
باختصار، يمكن القول إن البرهان أصبح رمزًا للولاء المستتر للكيزان داخل الدولة، شخصيًا وعمليًا، بما يجعل أي مشروع وطني لإعادة ترتيب السلطة على أسس مدنية وديمقراطية رهينًا بتفاهماته مع جماعة الإخوان. ما يفعله اليوم ليس سياسة دولة، بل تنفيذ خطة قديمة لضمان استمرار نفوذ الإخوان داخل كل مؤسسات السودان الحيوية.